انتخابات مجلس النواب الأميركي: أوباما عنوان أزمة الديمقراطيين

30 أكتوبر 2014
الصورة
تراجع في نسبة التأييد لسياسات أوباما (دارين هوك/Getty)
+ الخط -

على الرغم من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لن يكون على قوائم المرشحين في انتخابات التجديد النصفي التي ستشهدها الولايات المتحدة يوم الثلاثاء المقبل، إلا أنه يبدو أن هذه الانتخابات ستتمحور بشكل عام حوله وحول سياساته.

وفي الأعراف السياسية الأميركية، فإن الانتخابات النصفية تجري كل عامين، وتشمل كل مقاعد مجلس النواب الأميركي الـ435، وحوالي ثلث مقاعد مجلس الشيوخ المائة، كما تشمل ستة وثلاثين منصب حاكم ولاية أميركية من أصل خمسين. وفي حين أن الانتخابات الرئاسية تجري كل أربعة أعوام، فإن انتخابات مجلس النواب تجري كل عامين. أما أعضاء مجلس الشيوخ فإنهم يُنتخبون لدورة من ست سنوات، ويُجدد انتخاب ثلثهم كل عامين. وباستثناء ولايتي فيرمونت ونيوهومشير، اللتين تنتخبان حاكميهما كل عامين، فإن باقي الولايات تنتخب حكامها لدورة من أربع سنوات.

الفلسفة السياسية وراء انتخابات التجديد النصفي

تكمن أهمية انتخابات التجديد النصفي، حسب الفلسفة السياسية الأميركية، في أنها تعطي فرصة للناخبين لمعاقبة المسؤولين المُنتخبين، ولا سيما من الحزبين الكبيرين، الجمهوري والديمقراطي. ووفق هذا المنطق، فإن الناخب الأميركي، وبعد عامين من تجربة حزب أو مسؤول منتخب ما، فإنه قادر على أن يحدد ما إذا كان قد أحسن الاختيار أو أساءه، أو ما إذا كان الحزب الذي فاز بالبيت الأبيض، أي الرئاسة، وأغلبية مجلسي الكونغرس، الشيوخ والنواب، أو أحدهما، يستحق أن يُكافأ على إنجازاته، أو أن يُعاقب على إخفاقاته.

أما بالنسبة إلى الحزبين الكبيرين (الديمقراطي والجمهوري)، فإن أهمية هذه الانتخابات تكمن في أنها فرصة لأحدهما لتعويض خسارته في الانتخابات السابقة، ولا سيما إن كان قد خسر الأغلبية في مجلسي الكونغرس أو أحدهما.

كما أن انتخابات الولايات شديدة الأهمية، ذلك أن الحزب الذي يسيطر على ولاية ما يكون في وضع أفضل لخدمة مرشح حزبه للرئاسة في تلك الولاية.

وتاريخياً، فإن الحزب الذي يسيطر على مؤسسة الرئاسة، يخسر في الغالب انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس الأميركي، وفي الولايات كذلك. ذلك أنه، وبحسب منطق الفلسفة السياسية الأميركية، مرة أخرى، فإن الناخب الأميركي، من ناحية، يفضل أن يرى نظاماً سياسياً فيه ضوابط وموازنات، بمعنى أنه يفضّل "حكومة منقسمة"، وذلك حتى لا ينفرد حزب واحد في توجيه دفة الولايات المتحدة من دون وجود إمكانية لكبح جماحه سياسياً. أيضاً، جرت العادة أن يصوّت الناخب الأميركي عقابياً، إن لم تكن الأمور تجري على ما يرام، في انتخابات التجديد النصفي، ضد الحزب الذي يشغل شخص منه مقعد الرئاسة تحديداً.

أزمة الديمقراطيين

ضمن إطار التحليل السابق، يمكن الآن فهم أزمة الحزب الديمقراطي في الانتخابات المقبلة، وهو الحزب الذي ينتمي إليه أوباما، الذي يشغل منصب الرئاسة منذ عام 2009.

فالحزب الديمقراطي، وعلى الرغم من أنه يحتل موقع الرئاسة، وأغلبية نسبية في مجلس الشيوخ (55 عضواً منهم اثنان مستقلان يصوتان معه)، مقابل 45 جمهورياً، إلا أنه خسر في عام 2010 أغلبيته في مجلس النواب لصالح الجمهوريين (234-201).

هذه القسمة السياسية، حدّت من قدرة أوباما على الوفاء بالكثير من وعوده الانتخابية، وتحديداً في مسائل كالهجرة والاقتصاد، وبالتالي ساهمت، بالإضافة إلى معطيات خارج إرادته، وأخطاء سياسية أخرى كثيرة ارتكبها، في تدهور شعبيته بشكل كبير. ومما ضاعف من صعوبات الديمقراطيين، أنه على الرغم من امتلاكهم لأغلبية نسبية في مجلس الشيوخ، إلا أن هذه النسبة لا تسمح لهم، دائماً، بتمرير المشاريع التي يريدونها فيه.

ذلك أنه، وحسب قواعد ذلك المجلس، فإن أي حزب يحتاج إلى أغلبية 60 صوتاً لتمرير أي مشروع قانون في حال سعي حزب الأقلية إلى تعطيل عملية التصويت، وذلك على عكس مجلس النواب، الذي يستطيع تمرير أي مشروع قانون بالأغلبية البسيطة. أضف إلى ذلك أن أي مشروع قانون يصدر عن حزب الشيوخ أو النواب، لا يصبح مشروع قانون يُعرض على الرئيس إلا إذا توافق عليه المجلسان في ما يتعلق بأغلب القضايا.

وبناء على ما سبق، يمكن فهم ما تظهره استطلاعات الرأي الأميركية، التي تُجمع على أن الحزب الجمهوري سيحافظ على أغلبيته في مجلس النواب، بل إنه قد يعززها.

المشكلة، حسب استطلاعات الرأي، تكمن في مجلس الشيوخ. فعلى الرغم من أن الواضح أن الديمقراطيين سيخسرون بعض المقاعد فيه، غير أنه ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانوا سيخسرون أغلبيتهم فيه. والسبب في ذلك أنه برزت تحديات أمام الجمهوريين في ولايات، كانت في الأساس محسومة لهم، غير أنها غير مؤكدة الآن، ككنتاكي وجورجيا وكنساس.

أوباما أكبر عبء على حظوظ حزبه

المؤكد أن آخر شيء يريده أي رئيس أميركي هو أن يخسر أغلبية حزبه في كلا المجلسين أو أحدهما، ولا شك أن هذا ينطبق على أوباما. فخسارة أي من المجلسين تعني تعطيل أجندة أي رئيس ومن أي حزب، ضمن لعبة المناكفات السياسية والحزبية. المفارقة هي عندما يتحول الرئيس نفسه إلى عبء على حظوظ حزبه في انتخابات التجديد النصفي، كما أوباما الآن.

وبحسب استطلاعات الرأي، فإن نسبة التأييد لسياسات أوباما بين الأميركيين لا تتجاوز نسبة الـ42 في المائة، في حين أن نسبة من يعارض سياساته تبلغ 55 في المائة.

أيضاً، وبحسب استطلاع أجرته أخيراً محطة "سي. أن. أن" بالاشتراك مع "أو. آر. سي. إنترناشونال"، فإن نسبة الغاضبين "جداً" أو "إلى حد ما" من طريقة سير الأمور في الولايات المتحدة تبلغ 68 في المائة من الأميركيين. أما نسبة الخائفين "جداً" أو "إلى حد ما" من الأوضاع والتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، كالإرهاب والاقتصاد ومرض أيبولا، فتبلغ 53 في المائة من الأميركيين.

تُظهر الأرقام السابقة بوضوح لماذا يخشى الديمقراطيون من انتخابات التجديد النصفي، كما أنها توضح لماذا يتجنب أغلب المرشحين الديمقراطيين طلب العون من أوباما للظهور معهم في حملاتهم الانتخابية، بل إنهم يتسابقون على محاولة الابتعاد عن سياساته، أو حتى انتقادها وإظهار معارضتهم لها. حتى أن المرشحة عن الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية كنتاكي، أليسون غريمز، رفضت أن تجيب عن سؤال حول ما إذا كانت قد صوّتت أصلاً لأوباما في انتخابات 2012.

المشكلة الأكبر، للحزب الديمقراطي، أن تدنّي شعبية أوباما، لا تؤذي الحزب فقط في ولايات ومناطق محسوبة على الجمهوريين، أو فيها صوت قوي للمستقلين فحسب، بل إنها وصلت إلى مناطق كان يُظن أن الديمقراطيين هم أصحاب اليد العليا فيها، كنيوهامشر.

المفارقة الأخرى هي أنه، على الرغم من أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن نسبة تأييد أداء الكونغرس بين الأميركيين لا تتجاوز 13 في المائة مقابل معارضة 85 في المائة لها، إلا أن ذلك لا يفيد الديمقراطيين كثيراً. فالأميركيون ينظرون إلى الكونغرس كمؤسسة من مجلسين ومئات الأعضاء، ومن كلا الحزبين، بالإضافة إلى مستقلين، وذلك على عكس الرئاسة، التي تتمحور حول شخص واحد معروف الانتماء الحزبي.

"بطة عرجاء"

لكن المعضلة التي يتعامل معها الديمقراطيون اليوم، ليست محصورة فيهم أو في شخص أوباما، فجُلَّ الرؤساء الأميركيين، من الحزبين، عانوا من المشكلة ذاتها في الانتخابات النصفية.

وبالنسبة للانتخابات النصفية الحالية، فإنه إذا سارت الأمور بناء على ما تظهره استطلاعات الرأي، فإن رئاسة أوباما، في العامين اللذين تبقّيا له، ستكون مسكونة بالتعطيل لأجندته بسبب المناكفات السياسية.

فإذا خسر حزبه مجلس الشيوخ، بالإضافة إلى مجلس النواب، سيكون "رئيساً منزوع الأسنان"، وسيضطر إلى تقديم مزيد من التنازلات إلى الجمهوريين، أكثر مما يقدمه الآن لهم بسبب سيطرتهم على مجلس النواب.

وبحسب القاموس السياسي الأميركي، فإن أوباما الآن على أبواب التحول إلى "بطة عرجاء" سياسياً. فهو، حتى وإن ربح حزبه، جدلاً، انتخابات المجلسين، فإنه سيتحول، على الأقل العام المقبل، إلى "بطة عرجاء"، ذلك أن الساحة السياسية الأميركية ستدخل حينئذ (عام 2015) في مزاج انتخابات الرئاسة المقبلة أواخر عام 2106، فكيف سيكون الأمر في حال خسارته للأغلبية في مجلسي الكونغرس؟

المساهمون