انتخابات مجالس عائلات في غزة

22 فبراير 2020
الصورة
من ديوان إحدى عائلات القطاع (محمد الحجار)
+ الخط -

يستعيد الفلسطينيون في غزة، ذكريات مجالس عائلاتهم، التي كان لها الدور الأبرز في حلّ النزاعات المحلية، ويعودون لتشكيلها عن طريق الاقتراع.

لطالما كانت مجالس العائلات من أسس الحياة الاجتماعية الفلسطينية قبل النكبة، فهي تختص بشؤون العائلة التي يتولاها مختارها المعين تزكية من أفراد العائلة، أو عن طريق الشورى بين كبارها. لكنّ اهتمام الفلسطينيين بالمجالس، تقلص، في ظل الاحتلال، والانشغال بالظروف السياسية والحياتية عموماً، لا سيما مع طغيان المشهد الحزبي على العائلي. مع ذلك، يعود بعض هذه المجالس في قطاع غزة المحاصر، عن طريق الانتخابات. وقد شهد عام 2019 انتخابات لأكثر من 20 عائلة في قطاع غزة، منها ما شكل مجلساً للمرة الأولى. وهي مجالس تضم ما بين 6 أشخاص و11 شخصاً يجري انتخابهم عن طريق الاقتراع الأكثري، بهدف إدارة شؤون عائلاتهم الكبيرة.

في الرابع من يناير/ كانون الثاني الماضي، نظمت عائلة سكيك عملية انتخابية لاختيار مجلس العائلة، وهي من أكبر العائلات في قطاع غزة وتعود أصولها إلى مدينة غزة بالذات، وذلك، لاختيار 11 شخصاً، هم أعضاء مجلس إدارة العائلة. بلغ عدد المرشحين 25 شخصاً، فيما وصل عدد المقترعين إلى 2000 شخص، من بينهم شباب لم يشاركوا مسبقاً في عملية ديمقراطية من هذا النوع.

شارك أحمد سكيك (24 عاماً) في انتخابات مجلس عائلته للمرة الأولى في حياته، وهو الشيء الذي كان يتمنى تجربته. كان في العاشرة، في آخر انتخابات فلسطينية عامة، أجريت عام 2006، لاختيار أعضاء المجلس التشريعي (البرلمان) عام 2006. وبحسب المادة 27 من قانون الانتخابات الفلسطيني لعام 2007، فإنّ من يحمل الهوية الفلسطينية ويبلغ من العمر 18 عاماً، وما فوق يحق له الاقتراع. يقول سكيك عن تجربته الأولى في الاقتراع لـ"العربي الجديد": "هناك حماس كبير كان يراودني للتجربة الأولى بأن أختار الشخص المناسب ليكون ضمن مجلس يدير العائلة، لكن لا أعلم هل سأقوم بتجربة الشعور بمن يدير وطني الضائع خلال انتخابات عامة، أعتقد أنّ ذلك لن يحصل طالما هناك أحزاب تنظر إلى مصالحها في التمسك بكرسي الحكم". ويلفت سكيك إلى أنّ نصف المشاركين في الاقتراع في انتخابات العائلة، هم من الشباب الذين لم يعيشوا جو الانتخابات الحقيقي، فمنهم من شعر بالسعادة وبقي في مكانه في الصالة التي أقيمت فيها الانتخابات إلى حين إعلان النتيجة. يضيف: "نريد مجلساً يحمي العائلة، ويزيد من ترابطها، في ظلّ التفكك الاجتماعي الكبير الذي تسبب به الانقسام الفلسطيني... وهكذا، نحن نصلح ما دمرته أحزابنا في نفوسنا وواقعنا".



من جهته، يشير نجيب سكيك (65 عاماً) إلى أنّ دور مجالس العائلات يتجلى في تفقد أحوال العائلة وجمعها في المناسبات الحزينة والسعيدة، والسعي إلى مساعدة بعض المحتاجين والمرضى منها، مع تخصيص صندوق أزمات للعائلة، وهو ما دفع الغزيين إلى إعادة لحمتهم في إدارة مجالس العائلات في ظلّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها، إلى جانب حلّ مشاكل العائلة أو الخلافات بين أفرادها وتقديم حلول أسرع مما يحصل في الأجهزة الأمنية والقضائية. ويذكر سكيك، أنّ أول مجلس لعائلته تأسس عام 1943، وبعدها أعيد تشكيل المجلس عام 1975 ومنحت الثقة له عام 1978، ثم أجريت انتخابات عام 1994، وأخرى عام 2002، وصولاً إلى الانتخابات الأخيرة.

كذلك، نظمت عائلة الخضري، في تاريخ 11 يناير/ كانون الثاني الماضي، انتخابات مجلس العائلة للمرة الأولى على الإطلاق، وهو مجلس مكون من 11 عضواً. خلال الانتخابات، شعر عبد الله الخضري (30 عاماً) بالانتماء الكبير لعائلته، إذ تعرّف إلى كثير من كبار العائلة، مع حصوله على معلومات غنية عنهم، خصوصاً أنّ العائلة لا تجتمع في لقاءات للتعارف عادة. يشير الخضري إلى أنّ الانتخابات أحدثت بهجة في العائلة، وفي كثير من العائلات الغزية التي بدأت تدرس تنظيم انتخابات بدورها.

منذ مطلع عام 2010، اعترض كثير من المؤسسات النسوية في غزة على مجالس العائلات، بما يقضي فيها الحكم العشائري الذي يقرّ الحكم العرفي من دون اللجوء إلى الأطر القانونية والمؤسسات الرسمية، وهو ما تشير إليه الباحثة في شؤون المرأة إيمان أبو طاقية، التي تعتبر أنّ مجالس العائلات عادت بنتائج سلبية على بعض قضايا النساء وحقوقهن إلى جانب قضايا أخرى لم يُنصفن فيها. تقول أبو طاقية إنّ المجلس العائلي يتكون من الرجال، ما يعني استبعاد المرأة عن اتخاذ القرارات وإيجاد الحلول. تضيف: "الحكم العشائري لا يحدث أيّ تحسن في العائلة. أقدّر أنّ الحلول أسرع من أحكام القضاء الذي تكتظ فيه قضايا المواطنين وتأخذ وقتاً أطول، لكنّ الحلول العائلية الرضائية هي مؤقتة لأجل الستر لا أكثر". تتابع: "أتمنى أن تصل النساء يوماً ما إلى المجالس".

لكنّ أحد أهم رجال الإصلاح بين المتخاصمين في قطاع غزة، أبو عنان الرواغ، يعترض على تصريح أبو طاقية ويشير إلى أنّ هناك حاجة لسكان قطاع غزة لإجراء انتخابات لمجالس العائلات، في ظلّ المشاكل المتفاقمة التي يعرفها جيداً. يشير الرواغ إلى أنّ هناك مشاكل تحلّ بطريقة ودية وسهلة مثل الشجارات والاعتداء بالضرب، وهناك مشاكل تحلّ على طريقة "بيت الملمّ" وهو المكان الذي يجتمع فيه المتخاصمون ويحضر كلّ منهم كفيلاً معه، فتحلّ المشكلة بطريقة رضائية، أما المشاكل الصعبة وهي "القتل والجرح والتسلط على مال الغير والسرقات" فلها حلول أكبر.



ولا يلزم القانون الأساسي الفلسطيني لعام 1996 العائلات بإجراء انتخابات، لكنّه يمنح الحق لكلّ مواطن بتولي منصب المختار للعائلة بشروطٍ معينة، أولها الحصول على 200 توقيع من أفراد عائلته، من دون اللجوء إلى الاقتراع، وهو ما يعتبره مختار عائلة ياغي، نزار ياغي، خطوة نحو تطوير القانون، وهي إيجابية نحو الديمقراطية الطوعية.