انتخابات لبنان: توزيع عروش الطوائف

06 مايو 2018
الصورة
580 مرشحاً يتنافسون في هذه الانتخابات (جوزيف عيد/فرانس برس)
+ الخط -
افتُتحت، صباح اليوم الأحد، صناديق الاقتراع للانتخابات النيابية اللبنانية، بعد تسع سنوات على إجراء آخر انتخابات، لكنها انتخابات بلا مشاريع سياسية. مجرّد استحضار لـ"تضحيات" القوى السياسية التي راكمت ديون لبنان الداخلية والخارجية، وقضت على مختلف القطاعات الإنتاجية، وفشلت حتى في تأمين البديهيات للمواطنين، كإدارة مستدامة للنفايات الصلبة، أو تأمين التيار الكهربائي دون انقطاع.

ويُشكّل موعد الاستحقاق محطة من الاستحقاقات الحافلة، خلال الشهر الحالي في المنطقة، من نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وموعد الانتخابات العراقية، والحديث المتصاعد عن تحضير إيران لرد عسكري على الضربات المتتالية التي نفّذها سلاح الجو الإسرائيلي ضد القواعد الإيرانية في سورية، والتي أودت بحياة العشرات من العسكريين الإيرانيين، وقضت على جزء أساسي من البنية العسكرية الإيرانية في سورية. ولا يبدو "حزب الله" اللبناني بعيداً عن أجواء التصعيد العسكري، وهو المهدَد وخلفه كل اللبنانيين بتدمير كامل البنية التحتية اللبنانية خلال أي عدوان إسرائيلي مقبل على لبنان.

كما يأتي هذا الاستحقاق في ظل روزنامة اقتصادية حافلة، مع انتظار السياسيين اللبنانيين تدفق أموال مؤتمر "سيدر 1"، بعد انتهاء الانتخابات. وأيضاً استكمال البحث في الملف النفطي، وتلزيم المزيد من الرقع النفطية البحرية للشركات العالمية. وهو ما قد تُعطّله الخلافات السياسية اللاحقة للانتخابات، إذ من المتوقع أن تعود القوى السياسية إلى تموضعها السابق بعد انتفاء الحاجة للتحالفات الظرفية التي فرضتها الحسابات الانتخابية.

حصر إرث سياسي

ومع استكمال الانتشار الأمني والعسكري في مختلف المحافظات، تجري الانتخابات في كل لبنان بعد تقسيم المناطق إلى 15 دائرة انتخابية، يتنافس فيها حوالي 580 مرشحاً ضمن 77 لائحة يحق لثلاثة ملايين و700 ألف ناخب لبناني التصويت لهم. وقد عكس توزّع اللوائح ضعف دينامية العمل السياسي في بعض الدوائر نتيجة قتل الأحزاب للحياة السياسية، وهو ما حدث في الجنوب اللبناني مثلاً. كذلك ظهرت فوضى ترشيحات تمثّلت في العدد الكبير من المرشحين في دوائر أخرى، بسبب تراجع شعبية أحزاب كـ"تيار المستقبل".

وتحاول مختلف القوى السياسية الحفاظ على تمثيل وازن في مناطق نفوذها: "تيار المستقبل" في بيروت وطرابلس وصيدا وبعض مناطق البقاع (الذي يشكل وحده 40 في المائة من مساحة لبنان)، "حزب الله" و"حركة أمل" في الجنوب والبقاع، "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" في جبل لبنان والشمال، وغيرها، مقابل سعي القوى المنافسة لخرق لوائح الأحزاب وتحقيق انتصار سياسي ومعنوي عليها، وتثبيت زعامات محلية في المدن اللبنانية كصيدا وطرابلس وبعلبك وغيرها. ومع ترشّح حوالي 40 قريباً (ابن، شقيق، نسيب، صهر...) للسياسيين الحاليين، تبدو العملية الانتخابية أشبه بعملية حصر إرث سياسي لقوى السلطة التي لجأت إلى التوريث بدل إنتاج النُخب.

وسجلت دائرة بيروت الثانية (التي تضم مناطق دار المريسة، رأس بيروت، زقاق البلاط، المزرعة، المصيطبة، ميناء الحصن، الباشورة، المرفأ) التي تحمل رمزية تمثيل عاصمة لبنان، العدد الأكبر من اللوائح المتنافسة (9)، وهي تضم 11 مقعداً نيابياً موزعة بين مختلف الطوائف. كذلك  طرابلس - المنية - الضنية (11 نائباً وذات غالبية سنية) سجلت 9 لوائح متنافسة يقودها أقطاب مثل أشرف ريفي ونجيب ميقاتي وفيصل كرامي الذي تعتبر لائحته الأقرب إلى حزب الله والنظام السوري. في المقابل، سجّلت دائرة الجنوب الثانية (صور وقرى صيدا) أقل عدد من اللوائح المسجّلة، مع لائحتين فقط تتنافسان على 7 مقاعد نيابية، وهو ما يعكس بوضوح هيمنة الثنائي حزب الله ــ حركة أمل على تمثيل تلك المنطقة التي كانت قبل انتهاء الحرب الأهلية عقر دار اليسار اللبناني والشيوعيين تحديداً. ويبدو هؤلاء اليوم في حال يرثى لها انتخابياً في تلك المنطقة. وقد ضرب التفاوت الكبير في حجم الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد في كل منها، ديمقراطية الانتخابات، بحسب ما أعلنت جهات رقابية عديدة، ومنها "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات" (لادي)، وهو تمييز انتخابي يتكرر في كل دورة انتخابية في لبنان منذ تأسيسه على كل حال، تحت شعارات مراعاة الطوائف والجماعات.


كما أجمعت تعليقات عدد كبير من خبراء قوانين الانتخابات على وصف إقرار القوى السياسية لقانون الانتخاب الجديد الذي يجري وفقه الاستحقاق الحالي، "كمن أطلق النار على رجله"، بسبب خسارة بعض القوى مقاعد برلمانية لحساب منافسيها ضمن الدوائر الواحدة، من دون أن يعني ذلك تغييراً كبيراً متوقعاً في الخريطة النيابية، ذلك أن القانون الجديد المعتمد يتيح لمن خسر مقعداً في دائرة معينة أن يعوضه هو أو أحد حلفائه في دائرة ثانية. ومن غير الممكن حسم حجم الخروقات في الدوائر، بانتظار تكشّف نسب التصويت، التي تسعى كل القوى الحزبية إلى رفعها قدر المستطاع. والهدف من ذلك هو رفع الحاصل الانتخابي (قسمة عدد المقترعين على عدد المقاعد البرلمانية في الدائرة) لمنع المنافسين المستقلين من الخرق.
ولجأت الأحزاب إلى الخطاب الطائفي لشحن الجماهير قبيل الانتخابات. وبلغ الأمر حد تحريم أحد علماء الدين الشيعة في مدينة صور التصويت لأي مرشح لا ينتمي إلى "حزب الله" أو حركة "أمل". كما أصدر مدير الأوقاف التابع لدار الفتوى توجيهاً لخطباء الجمعة بدعوة المواطنين إلى التصويت بكثافة، مع تولي "تيار المستقبل" توزيع المخصصات المالية التي كانت دولة الإمارات تقدّمها لأئمة المساجد ومساعديهم، قبل يومين فقط من موعد الانتخابات.

ومع رفع سقف الخطاب الطائفي، وتعويم جيوب المواطنين بالأموال الانتخابية التي يتم توزيعها على شكل "مصاريف انتخابية" للمندوبين، ستنجح السلطة في تثبيت بعض المقاعد النيابية من ضمن حصص الأحزاب المشاركة في الحكومة والبرلمان الحاليين. ويُتوقع أن يحول حجم الخلافات الثابتة بين هذه القوى، ولا سيما بين رئيس مجلس النواب، رئيس "أمل" نبيه بري، وبين رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل، من دون تشكيل سريع للحكومة الثانية في عهد رئيس الجمهورية ميشال عون. وهو ما أكّده نفي نائب الأمين العام لـ"حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، وجود "اسم مرشح جاهز لدى الحزب لتولي رئاسة الحكومة". كما علمت "العربي الجديد" من مصادر سياسية أن عدداً من الوزراء في حكومة الحريري الحالية أبلغوا مساعديهم ومستشاريهم الاستعداد لمرحلة تصريف أعمال "لن تكون قصيرة"، بانتظار التوافق على تشكيل الحكومة الجديدة، مع أن هناك استحقاقات تستدعي تأليف حكومة بسرعة، مثل مؤتمر باريس لدعم لبنان مالياً، والأجواء الحربية التي تلف المنطقة، والانقسام الإقليمي بين محوري السعودية وإيران، ولبنان جزء أساسي من هذه الحرب الباردة الإقليمية، نتيجة قيادة حزب الله حرب النظام السوري واستهدافه المتكرر من قبل إسرائيل في سورية. من هنا، يرجح أن تكون الحكومة المقبلة نسخة عن تلك الحالية، بما أن الذي لا يزال يحكم الوضعية اللبنانية هو ما يسمى "التسوية" التي أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية مقابل رئاسة الحكومة لسعد الحريري. 

"مش نزيهة"
جمعت القوى السياسية الحاكمة طموحاتها المناطقية في التمثيل، وأقرّت قانوناً هجيناً يقوم اسمياً على النظام النسبي، لكنه في الجوهر أكثرياً، ويحمل الكثير من الألغام التي فضحت أكذوبة النسبية وصحة التمثيل المفترضة. ضاعت جماهير هذه القوى نتيجة التحالفات الانتخابية العجيبة التي واكبت هذا الاستحقاق. بات حلفاء الأمس خصوماً اليوم في بعض الدوائر، وبات ألدّ أعداء الأمس، حلفاء اليوم في دوائر أخرى. والأكثر إثارة للسخرية أن أحزاباً تتحالف في دائرة، وتتنافس في دائرة أخرى بما أن كل التحالفات انتخابية، لا سياسية. وزادت الجماهير ضياعاً بسبب استمرار معظم القوى في اعتماد الخطاب الطائفي والتحريضي ضد الخصوم السياسيين، على الرغم من تشابك التحالفات الانتخابية وتجاوزها لكل اعتبار طائفي كان في سنوات سابقة أساساً في التنافس السياسي بين هذه القوى. وأصبح المتنافسون ضمن الطوائف الواحدة أشد خطراً على القوى السياسية، من الخصوم الطائفيين التقليديين الذين بنت هذه القوى مشاريعها السياسية تحت عنوان مواجهتها.

أنتج هذا الخطاب واقعاً ضاغطاً في الشارع اللبناني خلال الأسابيع التي سبقت يوم الاقتراع، وسُجّلت عشرات الاعتداءات على منافسي قوى السلطة الذين اتُهموا بـ"العمالة لإسرائيل" و"العمالة لإيران" بحسب التوزّع الطائفي لهم، ذلك إلى جانب الخلافات المناطقية التي أنتجها ضغط الانتخابات. وكان لافتاً خلال هذه الاعتداءات توقيف القوى الأمنية لبعض المُعتدى عليهم، وتقديم تبريرات قانونية وتقنية متنوّعة بعد بقاء المعتدين طلقاء. ويكفي أن يعرف القارئ العربي أن 16 وزيراً حالياً مرشحون في الانتخابات (من أصل 30 تتألف منهم الحكومة)، ليكوّن فكرة عن مدى توظيف مقدرات الدولة وأجهزتها في الاستحقاق الانتخابي.

وتجري العملية الانتخابية بمشاركة جهات رقابية محلية ودولية، ستكون معنية برصد كيفية تطبيق قانون الانتخابات الجديد، ومدى نزاهة هذه العملية. وبعكس المتوقع، فقد أثار الإعلان عن تشكيل الهيئة الدائمة للإشراف على الانتخابات، عاصفة من التساؤلات عن جدية عمل هذه الهيئة ومدى التزام الحكومة بتحويلها إلى جهة مستقلة قادرة على الإشراف على العملية الانتخابية، بدل أن تُطمئن الهيئة الجمهور اللبناني إلى نزاهة الانتخابات. ورافق التعثّر عمل هذه الهيئة بسبب حرمانها من التمويل الكافي لمباشرة مهامها، حتى الأيام الأخيرة التي سبقت موعد الانتخابات. ولم تُسلَّم هذه الهيئة أجهزة كمبيوتر لتمارس عملها، إلا قبل أسابيع قليلة من يوم الانتخاب. كما أن وزارة الداخلية مارست بعضاً من صلاحيات الهيئة كالتثقيف السياسي للناخبين، وهو ما دفع ممثلة المجتمع المدني في الهيئة، سيلفانا اللقيس، إلى إعلان استقالتها من هذه الهيئة.

كما عبّر المواطنون عن مخاوفهم على نزاهة الانتخابات من خلال حملة "مش نزيهة" التي رصد فيها الناشطون مخالفات المرشحين من وزراء ونواب حاليين لقانون الانتخابات، لا سيما في مجال الإنفاق الانتخابي، واستغلال مواقعهم الرسمية في الترويج الانتخابي. ولم ينس هؤلاء الناشطون تجربة إدارة وزارة الداخلية في عهد الوزير الحالي، نهاد المشنوق، للانتخابات البلدية عام 2016، والتي تأخر فيه الفرز لساعات طويلة، تاهت فيها بعض الصناديق الانتخابية، ليتم الإعلان أخيراً عن فوز لائحة تحالف أحزاب السلطة بفارق ضئيل على لائحة المجتمع المدني في العاصمة بيروت.

اليوم، يخوض اللبنانيون الاستحقاق الانتخابي بعد أن استحكمت المصالح المالية والسياسية التي جمعت أقطاب الحكم اللبناني في تسوية أدت إلى انتخاب حليف "حزب الله"، ميشال عون، رئيساً للجمهورية، مقابل عودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة. سُميت هذه التسوية بـ"عهد الأقوياء"، نظراً للتمثيل الشعبي الواسع لعون والحريري ضمن بيئتهما الطائفية، لكن هؤلاء "الأقوياء" احتاجوا إلى قانون انتخابي مُفصّل جداً لضمان فوزهم بأكبر عدد من المقاعد النيابية، ليصح وصف الاستحقاق الحالي بانتخابات الطائفيين الأقوياء في لبنان، وليست انتخابات اللبنانيين.

المساهمون