انتخابات جديدة في تونس... وغريبة

29 سبتمبر 2019
الصورة
حالة القروي تضع السلطة أمام معضلة كبيرة (Getty)

لا يمكن اعتبار ما يحدث في تونس حدثاً انتخابياً عابراً وعادياً كما يحدث في دول أخرى، لأننا بصدد متابعة انتخابات فريدة، شكلاً ومضموناً، ليس لأنها استثنائية في الوطن العربي، بما ظهر منها من سلطة الشعب المطلقة وقداسة ما أنتجه الصندوق واعتراف الجميع وقبولهم به فقط، وإنما أيضاً لأنها تصل، لأول مرة في العالم ربما، بمرشح للرئاسة (نبيل القروي) وهو داخل السجن، ولذلك يرتعب الجميع، هيئة الانتخابات وقضاء وغيرهما، من سيناريو نجاحه في الدور الثاني من الانتخابات واعتلائه كرسي الرئاسة، وهو موقوف على ذمة قضايا تهرّب ضريبي وتبييض أموال، وهي بالتأكيد سابقة عالمية إن حدثت، ولذلك تعالت الأصوات الداعية إلى إطلاق سراحه سريعاً.

وأكد رئيس هيئة الانتخابات التونسية، نبيل بفون، أن الهيئة "أمام معضلة كبيرة بخصوص وضع نبيل القروي وحملته الانتخابية في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها". وأشار إلى إمكانية الطعن في سلامة العملية الانتخابية إن تواصل الحال على حاله ليوم الاقتراع للدورة الثانية. وأكد أن الهيئة ستجدد الدعوة للسلطات القضائية لإعطاء القروي حقه في إجراء حملته الانتخابية، لأن المسألة أصبحت جد حساسة، وفق تعبيره. وإذ شدد على احترامه استقلالية القضاء، أوضح أن القانون الانتخابي لم يشمل مثل الحالة التي فيها القروي الآن.

ولا يبدو كلام بفون منطقياً، بل يبدو متضارباً ومتناقضاً، وإن عكس حجم التخوّفات المشروعة التي أشرنا إليها، لأن بقاء القروي في السجن في الدورة الثانية يثير الأسئلة نفسها في الدور الأول، فقد كان أيضاً في السجن ومع ذلك لم يتحدث أحد عن "حساسية الموقف" ولا عن "معضلة كبيرة"، وإذا كانت المسألة مبدئية فقد كان يجدر بالهيئة وبكل الداعين اليوم إلى إطلاق سراحه، إلى الانتباه لذلك منذ الدور الأول.

ولكن السؤال الذي لا يجيب عليه أحد، هل ينبغي إطلاق سراح القروي لأنه نجح في الانتخابات أم لأنه بريء من التهم التي وُجّهت إليه؟ وهو ما لم يطرحه أحد من الذين أمسكوا به ولا من الذين يطالبون اليوم بإطلاق سراحه. وإذا لم يكن بريئاً فهل يمنحه نجاحه في الانتخابات حصانة من الملاحقة، وهل سيضعون التهم بين قوسين ويطلقون سراحه آملين ألا ينجح ويصبح رئيساً لتفادي الورطة؟ ما ترتكبه اليوم من حماقة سياسية تجنيه غداً في صندوق الاقتراع!