انتخابات تركيا وتحولات الأمتار الأخيرة

06 يونيو 2015
الصورة

أحد شوارع اسطنبول بعد انطلاق الحملات الانتخابية(1يونيو/2015/الأناضول)

+ الخط -
يبدو سباق الانتخابات البرلمانية التركية، المقرر في السابع من يونيو/حزيران الجاري، محتدماً جداً ومتقارباً، معبراً عن مفصليتها وأهميتها لحاضر البلد ومستقبله، غير أن الملفت للنظر تمثل في التبدل أو التحول في استطلاعات الرأي وموازين القوى، إلى درجة أن احتمال فقدان حزب العدالة والتنمية الحاكم السلطة أو اضطراره لتشكيل حكومة ائتلافية بات مطروحاً، وبشكل جدي، بعدما هيمن على المشهد السياسي والحزبي، عشر سنوات تقريباً. 
تعبير الانتخابات الحاسمة لا يأتي من قبيل البلاغة، أو في السياق التقليدي والإنشائي، وإنما لتداعياتها الجوهرية على النقطتين الأكثر أهمية على جدول الأعمال الداخلي في السنوات الأخيرة، وهما عملية التسوية وحل القضية أو الأزمة الكردية، كما صياغة دستور جديد مدني وديمقراطي، بدلا من دستور العسكر المعمول به حالياً، والذي تم تعديله، أو بالأحرى، ترقيعه عدة مرات، كان آخرها في استفتاء عام في 2010.
حضور حزب العدالة والتنمية وزعيمه السابق الرئيس الحالي، رجب طيب أردوغان، كان طاغيا في المشهد السياسي، بأبعاده وتجلياته المختلفة، تحديدا في النقطتين سابقتي الذكر، زعيم بحجم أردوغان فقط كان قادراً على وضع القضية الكردية بشكل جدي على سكة الحال في مواجهة حزبي المعارضة الرئيسية، الشعب والحركة القومية، فالأول كان جزءاً من آلة الاستبداد والظلم التي اضطهدت الأكراد، كما فئات الشعب التركي المختلفة، أما الحزب الثاني، فيرفض أصلا الاعتراف بوجود المشكلة، ولا يرى الأكراد إلا بصفتهم جزءاً من الشعب التركي الموحد والمنسجم.
عملية التسوية التي وضعت في السياق السلمي، ووصلت إلى أشواطها الأخيرة، بفضل إصرار أردوغان ودعم فئات واسعة من الشعب للقضية التي لا يمكن لتركيا النهوض، أو الذهاب إلى المستقبل بقوة وزخم، من دون حلها، وهو ما فهمه أيضا زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، عبد الله أوجلان، الذي وجه دعوة إلى حزبه لإلقاء السلاح، مؤكدا أن زمن الحل العسكري قد ولى، وأن الحل، بل الحلول، الآن، سلمية سياسية وديمقراطية.
بناء عليه، من الصعوبة بمكان تصور وصول العملية إلى خواتيمها السعيدة في حالة فقدان حزب العدالة والتنمية، علما أنها باتت مرتبطة، بشكل أو بآخر، بشخصيتين بارزتين، هما الرئيس رجب طيب أردوغان وزعيم حزب العمال، عبد الله أوجلان، وغياب أو ضعف تأثير أحدهما سيؤثر مباشرة عليها، وفي الاتجاه السلبي طبعاً.
 
تتعلق النقطة الثانية بصياغة دستور مدني ديمقراطي لتركيا، بدلا من الدستور المعمول به حالياً، والذي صاغه الانقلاب العسكري في عام 1980، وتم تعديله أو ترقيعه مرات، لإدخال إصلاحات ديمقراطية جدية عليه، من دون أن تؤدي الغرض، وهنا أيضاً كان دور أو حضور حزب العدالة والتنمية طاغياً في مواجهة خصومه، إن كان عراب الاستبداد والانقلابات، أي حزب الشعب، أو الحزب اليميني الذي لا يعارض أي استبداد، طالما جاء متساوقا مع طروحاته الفكرية الضيقة والمنغلقة.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى حزب العدالة والتنمية، بصفته أكثر الأحزاب التركية ديمقراطية وانفتاحا وتعددية، وهو من صاغ التعديلات التي جعلت حل الأحزاب أقرب إلى المستحيل، كما كان عراب تقديم الدعم المالي الحكومي لأي حزب تتجاوز شعبيته 3%، علما أنه لم يكن من فرض نسبة الحسم العالية في الانتخابات، والبالغة 10%.
وبالعودة إلى الانتخابات التي بدأت حملاتها مع استطلاعات أو تنبؤات بفوز صريح للحزب الحاكم، وهي الصورة التي تبدلت في الأسبوعين الأخيرين، مع تراجع في قوة الحزب الانتخابية وارتباط كل المشهد الانتخابي بقدرة حزب الشعوب الديمقراطية على تجاوز نسبة الحسم من عدمها.
حسب الاستطلاعات والتوقعات الانتخابية المختلفة، فإن حزب العدالة والتنمية يراوح حول نسبة 43 %، بينما يتأرجح حزب الشعوب الديمقراطية الكردي حول نسبة الحسم، أي 10%، ويحافظ حزبا المعارضة الرئيسيان، حزب الشعب اليساري والحركة القومية اليميني، على قوتهما في انتخابات 2011، والتي تقارب 38%، منها 25% للحزب الأول، و13% للثاني، وطبعاً مع نسبة خطأ تقليدية في حدود 3%.
الأرقام والنسب السابقة تعني أن حزب العدالة والتنمية لن يحصل على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة منفرداً، وسيحصل على 260 مقعدا تقريبا من أصل 550، وسيكون بحاجة بالتأكيد إلى ائتلاف مع حزب آخر قد يكون حزب الحركة القومية، ما يراكم صعوبات أمام حل القضية الكردية، أو حزب الشعوب الديمقراطية، وهو الخيار الذي يبدو أكثر منطقية وواقعية، على الرغم من اللغة الانتخابية الحادة المتبادلة بينهما.
أما عدم حصول حزب الشعوب الديمقراطية على العشرة بالمائة اللازمة لدخول البرلمان فسيعني حصول الحزب الحاكم على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة منفرداً، وربما حتى على 330 مقعدا المطلوبة لطرح التعديل الدستوري، بما في ذلك طبعا النظام الرئاسي على الاستفتاء الجماهيري، بعدما بات الحصول على ثلثي المقاعد، أي 367 مقعدا، لتعديل الدستور مباشرة في البرلمان أمراً أقرب إلى المستحيل، بل هو مستحيل فعلاً.
غير أن هذا السيناريو قد يؤثر سلباً على حل القضية الكردية في ظل تهديد حزب الشعوب بالعصيان المدني، وحتى تشكيل إدارة أو حكومة ذاتية للمناطق الكردية، وهو أيضا احتمال بعيد، ليس فقط لوجود نواب كرد كثيرين في صفوف الحزب الحاكم، وإنما لأن الحل الأساس يتم مع عبد الله أوجلان، ولن تكون مشكلة في إيجاد وسطاء آخرين من قبله غير حزب الشعوب، والأهم من ذلك أن حل المشكلة يقتضي، بالضرورة، تعديلات دستورية ديمقراطية، تكفل المساواة لفئات المجتمع وشرائحه.
عموماً، أياً كان السيناريو أو المشهد الذي سينبثق عن الحدث الانتخابي الحاسم، فإن تركيا مقبلة على مرحلة جديدة في تاريخها، ليس فقط داخلياً، وإنما خارجياً أيضاً، في ظل انخراط حزب العدالة والتنمية في المشاريع والتحالفات الهادفة إلى حل مشكلات المنطقة وأزماتها، ودعوات خصومه ومنافسيه إلى الانعزال والانكفاء عن تلك الأزمات، وحتى عن المنطقة برمتها.