انتخابات بيلاروسيا اليوم: اختبار لشرعية لوكاشينكو ونفوذ روسيا

09 اغسطس 2020
الصورة
يتوقع فوز لوكاشينكو بولاية رئاسية سادسة (نيكولاي بيترو/Getty)

يتوجه الناخبون في بيلاروسيا إلى مراكز الاقتراع، اليوم الأحد، للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية، التي من المنتظر أن تسفر عن فوز الرئيس ألكسندر لوكاشينكو (65 سنة) بولاية سادسة، مدتها خمس سنوات، وسط تشكيك المعارضة في نزاهة الاستحقاق الانتخابي، بعد الكشف عن سلسلة من الانتهاكات تخللت الحملة الانتخابية. وإلى جانب لوكاشينكو، الذي يتولى زمام السلطة في البلاد منذ أكثر من ربع قرن، يخوض سباق الانتخابات أربعة مرشحين آخرين، من بينهم منافسته الرئيسية سفيتلانا تيخانوفسكايا (37 سنة)، التي تشارك في الرئاسيات بدلاً من زوجها المعتقل، المدون المعارض سيرغي تيخانوفسكي، وهي تمكنت من نيل دعم المرشحَين المستبعدين فيكتور باباريكو وفاليري تسيبكالو.



كشف مراقبون مستقلون عن أكثر من 3 آلاف مخالفة خلال أول يومين من التصويت المبكر

تشير أرقام لجنة الانتخابات المركزية إلى أن نسبة المشاركة خلال الأيام الثلاثة الأولى من التصويت المبكر في الرئاسيات البيلاروسية، الذي انطلق الثلاثاء الماضي، بلغت نحو 22.5 في المائة، بينما كشف مراقبون مستقلون عن أكثر من 3 آلاف مخالفة خلال أول يومين من التصويت، معتبرين أن النسبة العالية للمشاركة أثناء التصويت المبكر قد تكون مؤشراً على تزوير النتائج. في هذا الإطار، يشير نائب رئيس حركة "من أجل الحرية"، المرشح المعارض في انتخابات الرئاسة البيلاروسية في 2010، أليس ميخاليفيتش، إلى أن فوز لوكاشينكو محسوم بشكل واسع منذ الآن، لكنه اعتبر أن اللغز الرئيسي يكمن في مدى تقبل سكان البلاد لمثل هذه النتيجة، وما إذا كانت ستضمن الشرعية اللازمة للوكاشينكو. ويقول ميخاليفيتش، في حديث لـ"العربي الجديد"، "من الواضح أن لجنة الانتخابات المركزية ستصدر نتائج تضمن فوز لوكاشينكو من الجولة الأولى، لكن المسألة تكمن في مدى إمكانية حدوث خلل في منظومة التزوير القائمة، إذ إن ممثلي هرم السلطة حتى لم يعودوا يصدقون الأرقام المعلنة، ولا نعلم على وجه الدقة كيف سيتصرف عشرات الآلاف من أعضاء اللجان، الذين يعيشون داخل المجتمع ويستشعرون مزاجه العام". أما اللغز الرئيسي لانتخابات اليوم، فيلخصه في رد فعل السكان على النتائج، بالقول "للمرة الأولى قد تشعر طبقات واسعة من السكان، وليس أنصار المعارضة فقط، بأنها خُدعت. وللمرة الأولى قد لا تضمن الانتخابات الشرعية اللازمة للرئيس".

وعلى صعيد السياسة الخارجية، تجرى الانتخابات الراهنة وسط موجة من التوتر بين موسكو ومينسك، بدأت بتنصل لوكاشينكو من تعميق التكامل مع روسيا، والخلافات حول أسعار النفط والغاز، وصولاً إلى واقعة توقيف عشرات الروس في بيلاروسيا للاشتباه بانتمائهم لشركة "فاغنر" للمرتزقة، واتهامهم بالتدبير لأعمال الشغب في البلاد، وهي مزاعم نفتها موسكو بشدة.
في المقابل، تميزت ولاية لوكاشينكو الأخيرة بتحسن علاقاته مع الغرب، الذي رفع العقوبات عنه ولم يعد يلقبه بـ"الديكتاتور الأخير في أوروبا"، وسط زيارات متكررة لكبار المسؤولين الأميركيين إلى مينسك، بمن فيهم مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، ووزير الخارجية مايك بومبيو. ووصل الأمر إلى حد الاتفاق على إعادة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين على مستوى السفراء بعد انقطاع دام 12 سنة.


للمرة الأولى قد تشعر طبقات واسعة من السكان، وليس أنصار المعارضة فقط، بأنها خُدعت

ومع ذلك، يتوقع ميخاليفيتش تدهوراً حتمياً لعلاقات لوكاشينكو مع كل من روسيا والغرب بعد الانتخابات. ويقول إنه "بصرف النظر عما إذا كان سيتم الإفراج عن عناصر فاغنر من عدمه، فإن العلاقات بين مينسك وموسكو ستتراجع لفترة طويلة، إذ إن عملية توقيفهم، وغيرها من أعمال لوكاشينكو أثناء حملة الانتخابات، جمدت خرائط الطريق للتكامل لسنوات، وربما إلى الأبد. كما أن العلاقات مع الغرب ستتدهور حتماً أيضاً على خلفية الانتهاكات غير المسبوقة أثناء الحملة الانتخابية، وسيكون مدى هذا التدهور مرهوناً بنهايتها، وما إذا كان سيتم تشغيل آلة القمع بكامل إمكانياتها".

وعشية موعد انتخابات الرئاسة البيلاروسية، وجهت وزارات خارجية ثلاثة بلدان أوروبية، هي ألمانيا وفرنسا وبولندا، نداء إلى مينسك لإجراء انتخابات نزيهة والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين واحترام إرادة الشعب البيلاروسي. وبالعودة إلى السياسة الداخلية البيلاروسية، فقد اقترح لوكاشينكو، في إطار برنامجه الانتخابي، تعديل الدستور حتى لا يحصل أي مرشح غيره قد يفوز، مع أن ذلك مستبعد، على الصلاحيات الواسعة المنصوص عليها في الدستور، داعياً إلى تقليصها ثم اختيار رئيس جديد. وزاد هذا المقترح من التكهنات حول ما إذا كان لوكاشينكو يسعى لحذو حذو نظيره الروسي فلاديمير بوتين، من جهة تعديل الدستور لتحديد قواعد اللعبة السياسية للأجيال الجديدة من دون المساس بمكانته هو في منظومة السلطة. وفي هذا السياق، تلفت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية إلى أن استفتاء تعديل الدستور الروسي، الذي أجري في 1 يوليو/تموز الماضي، أدى فعلياً إلى "تصفير" عدد ولايات بوتين، رغم أن التعديلات الدستورية في حد ذاتها تقيّد إجرائياً سلطة الرئيس. وتعتبر الصحيفة أن تلك التعديلات لا تعني أن بوتين سيرشح نفسه حتمياً في عام 2024، ولكن فترة الانتقال من نظام دولة ذات صلاحيات رئاسية فائقة قد يطول أمدها، مشيرة إلى أن ذلك ينطبق أيضاً على لوكاشينكو، الذي مع قبوله تعديل الدستور، سيرتب لنفسه مكانة في الهيكل الجديد للسلطة أو سيمدد فترة الانتقال.
ومع ذلك، يشكك ميخاليفيتش في صدق نوايا لوكاشينكو بتعديل الدستور البيلاروسي من أساسه، قائلاً "صحيح أن لوكاشينكو تحدث عن تعزيز دور الأحزاب، وإعادة توزيع الصلاحيات بين فروع السلطة، لكن التجارب السابقة تكشف أنه لا يستخدم مناقشة الإصلاحات سوى لتخفيف درجة الغضب المجتمعي، من دون أن تؤدي إلى إجراء الإصلاحات في حد ذاتها". يذكر أن لوكاشينكو انتخب كأول رئيس لبيلاروسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي في عام 1994، متوجهاً منذ انتخابه نحو التقارب والتكامل مع روسيا وبلدان رابطة الدولة المستقلة، ما مكنه من الحصول على دعم اقتصادي هائل وأسعار مخفضة لموارد الطاقة من موسكو، وتحسين الأوضاع الاقتصادية لبلاده بشكل كبير. وأثناء ولايته الثانية بعد إعادة انتخابه في 2001، نظم لوكاشينكو استفتاء على تعديل الدستور، أسفر عن إلغاء الحد الأقصى لعدد الولايات الرئاسية، ما مهد الطريق لإعادة انتخابه في أعوام 2006 و2010 و2015، والترشح في الانتخابات التي تجرى اليوم.