انتخابات الرئاسة التونسية: كيف سقطت الدعوات إلى المقاطعة؟

15 أكتوبر 2019
الصورة
لم يتجاوز حجم اختيار الحياد الإيجابي 2%(فتحي بلعيد/فرانس برس)
كشفت النتائج الأولية للدور الثاني للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس، المعلن عنها مساء الإثنين من قبل الهيئة العليا للانتخابات، ضآلة حجم "حركة التصويت الأبيض"، وتجاهل عموم الناخبين دعوات "تونس تستحق أفضل من ذلك". ولم يتجاوز حجم من اختاروا الحياد الإيجابي اثنين في المائة من الحجم الإجمالي للمقترعين، المقدّر بحوالي ثلاثة ملايين وتسعمائة ألف ناخب. وتم التعبير عن هذا الموقف عبر التصويت بورقة بيضاء، وقد قاربت هذه الأوراق الستة عشر ألفاً، فيما مثّلت الأوراق الملغاة قرابة الخمسة وخمسين ألفاً.

وبالنظر إلى حجم الدعوات التي انطلقت مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية، والتي أفضت إلى مرور أستاذ القانون قيس سعيد ورجل الأعمال نبيل القروي، فإن حجم الرافضين للمرشحَين معاً، والذين اختاروا المشاركة عبر ورقة بيضاء أو ملغاة، بدا غير ذي أهمية. وبدا جلياً أن الحاصل المحقق يكشف عن موقف أقلي "مجهري" مقارنة بحجم من عبّروا عن موقفهم بالتصويت لأحد المرشحَين.

وكانت دعوات المقاطعة أو التصويت الأبيض للمرشحَين قد غزت مواقع التواصل، تحت شعار "تونس تستحق أفضل من ذلك"، في إشارة إلى عدم الرضا على المرشحَين المارَّين إلى الدور الثاني. وطالب أساتذة جامعيون، الناخبين، بالتوجه إلى مكاتب الاقتراع بكثافة من أجل وضع ورقة بيضاء أو ملغاة، وعدم اختيار أي من المرشحَين، وفسّروا موقفهم آنذاك بأنه لا يمكن الاختيار بين رجل أعمال تحوم حوله شبهات الفساد، وتدلّ ممارساته على احتقار للدولة ومؤسساتها، وبين أستاذ جامعي عديم الخبرة السياسية، ويطرح صعوده في الدور الأول أسئلة عدة. واعتبر أصحاب هذا الموقف أن الأسلم هو التصويت الأبيض، رفضاً للمرشحَين معاً.


كذلك، دعت أحزاب سياسية لفظتها الانتخابات التشريعية، على غرار حزب "العمال"، أنصارها إلى التصويت الأبيض، إذ لم ترَ في المرشحَين معاً، أهلية لقيادة البلاد. وإن وجدت هذه الدعوات بادئ الأمر آذاناً صاغية ممن يحملون ذات الموقف من الناخبين، فإنّ خروج المرشح نبيل القروي من السجن، وما رافق ذلك من انتقادات لاستقلالية القضاء، وأداء المرشحَين خلال المناظرة، كل ذلك أدى إلى تراجع كثير من المقاطعين عن موقفهم وتوجههم نحو صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم.

وفسّر الكاتب الصحافي سمير بوعزيز، في حديث إلى "العربي الجديد"، ضآلة حجم حركة المقاطعة والتصويت الأبيض، بأنّ فكرة المقاطعة تُعدّ أحد تقاليد الديمقراطية، كاحتجاج يودَع بصناديق الاقتراع، من أجل تبليغ موقف ما، وهي مرحلة لم تصلها تونس بعد، إذ لم تتجاوز الفكرة أن تكون حركة احتجاجية غير مؤثرة في معادلات الانتخابات، حملتها مجموعة صغيرة وشخصيات تحمل تصوراً مختلفاً. إضافة إلى ذلك، يرى بوعزيز أن الأطراف التي دعت للتصويت الأبيض في حدّ ذاتها، خرجت منهزمة من الدور الأول للرئاسية ومن التشريعية أيضاً، وهي أطراف لا امتداد جماهيرياً لها على أرض الواقع، وهو ما يفسر عدم استجابة الناخبين لها.


علاوة على ذلك، شدد الكاتب الصحافي على أن تيار المقاطعة الضعيف اصطدم بعامل آخر، وهو الحشد نحو انتخاب مرشح من خارج كل المنظومة السياسية، الحكم والمعارضة معاً، وتحوّل الصراع الانتخابي إلى صراع حول رمزية شعبية، ما يفسّر حصوله على ثلاثة ملايين صوت.

واختار عدد من المصوتين، خوفاً من أن يتم استغلال ورقته البيضاء وتدليسها لفائدة هذا المرشح أو ذاك، أن يخط رسومات أو كلمات، كرسائل لسعيد والقروي والهيئة المشرفة على الانتخابات، لكنها لن تصل إلى وجهتها، ولن تبلغ للمعنيين بالأمر، ولن تُعتبر إلا مجرد صوت ملغى.