انتخابات الجزائر... نجاح "الكارتل" المالي وصدمة العزوف الانتخابي

06 مايو 2017
الصورة
لم تغير النتائج كثيراً من الخارطة البرلمانية(رياض كرامدي/فرانس برس)

انتهت الانتخابات البرلمانية في الجزائر، التي جرت أول من أمس، لكنها خلفت جدلاً صاخباً، لا يتعلق بنتائجها، التي كانت متوقعة بالنظر إلى جملة من المعطيات السياسية والتنظيمية المحيطة بها، لكن في علاقتها بتكريس وضع سياسي، عبر سيطرة أحزاب السلطة على البرلمان تمهيداً لانتخابات الرئاسة في العام 2019، واستمرار حالة العزوف الانتخابي الكبير والتزوير والغش الانتخابي من جهة، وتمدد "الكارتل" المالي إلى المؤسسة البرلمانية وعودة التمثيل القبلي في بعض المناطق الداخلية.

وأقرت الحكومة الجزائرية بالفشل في إقناع الناخبين بالتصويت في سادس انتخابات برلمانية منذ دخول الجزائر عهد التعددية السياسية. وأعلن وزير الداخلية الجزائري، نور الدين بدوي، أمس الجمعة، أن نسبة التصويت بلغت 38.25 في المائة، وهي نسبة أدنى بكثير من حجم توقعاتها وطموحاتها، إذ قاربت تلك التي سجلت في انتخابات العام 2007، وجاءت أدنى من تلك التي سجلت في انتخابات البرلمان في مايو/ أيار 2012. ولم يتوجه من مجموع 23 مليوناً مسجلين في الهيئة الناخبة، سوى ثمانية ملايين جزائري إلى صناديق الاقتراع، بالإضافة إلى مليون ناخب في الخارج، بحسب ما أعلن وزير الداخلية الجزائري، نور الدين بدوي، وهو ما يعكس فشل حملات الدعاية التي خاضتها السلطة لحث الناخبين على التصويت، ورفض الجزائريين الانخراط في انتخابات تبدو محسومة على صعيد النتائج، وانفراط عقد الثقة بين المواطنين والسلطة من جهة، وتعبيراً عن حجم بالغ من الإحباطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، نتيجة فشل السياسات الحكومية والفساد المالي، واليأس من إمكانية أن تؤدي هذه الانتخابات إلى أي مستوى من مستويات التغيير الجدي في إدارة شؤون البلاد.

"الكارتل" المالي يتمدد

لكن إخفاق السلطة في إقناع الناخبين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، قابله نجاح قياسي، وبشكل غير مسبوق، لـ"الكارتل المالي" في اختراق المشهد السياسي، إذ أتاحت نتائج هذه الانتخابات تمدد "الكارتل" المالي بشكل كبير في المؤسسة البرلمانية. ونجح أكثر من 70 من كبار رجال المال والأعمال، ترشحوا على قوائم أحزاب موالية للسلطة في الوصول إلى البرلمان، تحت تأثير المال السياسي الذي تم توظيفه بطريقة غير مسبوقة في الحملة الانتخابية وعبر شراء الأصوات عشية الاقتراع. وكانت عدة أحزاب سياسية قد حذرت من تمدد "الكارتل" المالي وتسلله إلى أعلى هيئات الدولة، واستغلال النفوذ المالي والسياسي في السيطرة على كافة نواحي الحياة الاقتصادية عبر تعديل القوانين ذات الصلة بالأنشطة والقطاعات الاقتصادية، خصوصاً وأن زيادة مستويات الفساد في الجزائر ونجاح عدد من رجال الأعمال في التسلل إلى مناصب عليا عبر البرلمان السابق، عززت من رغبة الكثير من رجال المال في الترشح بحثاً عن التوسع والنفوذ لحماية مصالحهم.

ولم تكن النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية في الجزائر مفاجئة لكثير من المراقبين، ولم تغير بشكل كبير الخارطة السياسية والبرلمانية في البلد. وكرست سيطرة حزبي السلطة، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، على ما يقارب ثلثي المقاعد البرلمانية واقتسامهما أكثر من 60 في المائة من المقاعد، وأعادت تكرار نفس سيناريو برلمان 1997، إذ كانت النتائج بين الحزبين متقاربة. وأعلن وزير الداخلية الجزائري، نور الدين بدوي، فوز جبهة التحرير الوطني، التي يترأسها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بـ164 مقعداً من أصل 462 مقعداً في البرلمان، لكنه خسر نحو 60 مقعداً مقارنة مع حصته في انتخابات 2012، ذهب جزء منها لصالح غريمه السياسي التجمع الوطني الديمقراطي، الذي يترأسه رئيس الديوان الرئاسي، أحمد أويحيى، الذي حصد 97 مقعداً، بزيادة 25 مقعداً مقارنة مع الانتخابات السابقة. وتطرح النتائج استفسارات حول تصويت الناخبين لأحزاب السلطة، التي تمثل عمق المسببات الرئيسية في الوضع الاجتماعي والاقتصادي المزري، خصوصاً عبر المصادقة على قوانين الموازنة الخانقة للمواطنين.


تقدم الإسلامين وخسارة الديمقراطيين

وحقق الإسلاميون تقدماً طفيفاً على صعيد تحولهم إلى ثالث قوة سياسية مقارنة بموقعهم كخامس قوة سياسية في الانتخابات الماضية. وحصد تحالف حركة مجتمع السلم، الذي يمثل تيار جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر 33 مقعداً، فيما فاز تحالف إسلامي آخر يجمع بين ثلاثة أحزاب، هي حركة النهضة وجبهة العدالة وحركة البناء، بـ 15 مقعداً. ووجه الإسلاميون، الذين خسروا 18 مقعداً بالمقارنة مع برلمان 2012، اتهامات لأحزاب السلطة والإدارة المشرفة على الانتخابات بالقيام بتزوير فاضح في عدد من الولايات. وأصدرت حركة مجتمع السلم (حمس) بياناً دانت فيه ما وصفته "بالتجاوزات الخطيرة التي حدثت في خمس ولايات، عبر استخدام تزوير جماعي، وطرد ممثلي الأحزاب، وإصدار بعض الجهات تعليمات شفهية بمضاعفة نسب المشاركة مساء يوم الاقتراع في بعض الولايات". واعتبرت الحركة أن "الانتخابات بدأت بهدوء، لكن التجاوزات تهدد بنسف مصداقيتها، إذ دعت السلطات إلى التدخل العاجل لإنقاذ العملية الانتخابية".

وفيما مثل المستقلون الكتلة البرلمانية الرابعة من حيث عدد المقاعد، إذ فازت القوائم المستقلة بـ 28 مقعداً، فقد حققت أحزاب فتية نتائج جيدة مقارنة مع عمرها السياسي، مثل حزب تجمع أمل الجزائر، الذي يقوده وزير الأشغال السابق، عمار الغول، وحصد 19 مقعداً في أول انتخابات برلمانية بعد انشقاقه في العام 2012 عن "إخوان" الجزائر. وفجر حزب جبهة المستقبل، المنشق عن حزب جبهة التحرير الوطني، مفاجأة بحصوله على 15 مقعداً. وكانت قوى التيار الديمقراطي الحداثي أكبر الخاسرين في هذه الانتخابات، إذ حصلت جبهة القوى الاشتراكية، أقدم أحزاب المعارضة السياسية في الجزائر، على 14 مقعداً، مقارنة بـ21 مقعداً في انتخابات 2012. كما تراجع حزب العمال اليساري إلى 11 مقعداً، بعدما كان قد حصل على 23 مقعداً في الانتخابات الماضية. وحاز حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على تسعة مقاعد فقط، غالبيتها في منطقة القبائل التي تعد المعقل الرئيسي لهذا الحزب، الذي قاطع انتخابات 2012.

القبيلة... وحكومة وطنية

ولفتت النتائج على صعيد المناطق في هذه الانتخابات عودة قوية للمؤسسات الاجتماعية العرفية في بعض المناطق، التي ما زالت تحتكم إلى نظام اجتماعي خاص. ففي ولاية غرداية، ذات الغالبية من السكان الأمازيغ الذين يتبعون المذهب الإباضي، نجحت هيئات الأعيان والمؤسسات العرفية في إيصال ثلاثة مستقلين إلى النيابة، من أصل أربعة تمثل الولاية، بالإضافة إلى بعض مناطق الطوارق والمناطق الداخلية الأخرى التي أدت فيها القبلية والمكون الاجتماعي الدور الأبرز في توجيه الناخبين، أكثر من الأحزاب السياسية.

خلال 15 يوماً سيبدأ البرلمان الجديد مهامه، وتبدأ مشاورات رمزية وغير ملزمة بين بوتفليقة وقيادة حزبه الفائز بالانتخابات، جبهة التحرير الوطني، لتعيين رئيس حكومة يكون من الحزب الفائز، وفقاً لما ينص عليه الدستور الجديد الصادر في السادس من فبراير/شباط الماضي. وإذا كانت التوقعات تشير إلى إمكانية إبقاء بوتفليقة وحزبه على رئيس الحكومة الحالية، عبد المالك سلال، المرتبط بالحزب بصفته عضواً فيه، فان المراقبين يتوقعون أن يقدم بوتفليقة على تشكيل حكومة موسعة تضم أحزاب الموالاة، كجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وتجمع أمل الجزائر والحركة الشعبية الجزائرية، بالإضافة إلى محاولة استدراج أحزاب المعارضة والإسلاميين للمشاركة فيها، وهو ما بدت مؤشراته خلال فترة الحملة الانتخابية وما سبقها. لكن نتائج الانتخابات البرلمانية، والتي شكلت صدمة وإخفاقاً كبيراً بالنسبة إلى بعض أحزاب المعارضة والإسلاميين، قد تدفعها إلى رفض فكرة المشاركة في هذه الحكومة.