انتخابات الجزائر: خيارات ضيقة أمام المعارضة والحراك

17 سبتمبر 2019
الصورة
تزايدت أعداد المتظاهرين في الأسابيع الأخيرة (العربي الجديد)
وضع الجيش والسلطة في الجزائر قطار الانتخابات على السكة، ودفعا به إلى محطة 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل، بعد استكمال الترتيبات السياسية والتنظيمية كافة لإنجاز انتخابات باتت أمراً واقعاً ومفروضاً. وتقول السلطة إنّ الظروف السياسية والاقتصادية والاقليمية تلزم البلد بذلك، فيما تتحفّظ بعض قوى المعارضة، ليس على الانتخابات، ولكن على مجمل الطريقة والمسار الذي اتخذته السلطة في هذا الاتجاه. أمّا الحراك، فعنوانه الوحيد هو رفض الانتخابات في ظلّ هكذا معطيات، ما قد يفتح الباب أمام احتمال وضع الشارع في مواجهة مفتوحة مع السلطة.
وبإعلان رئيس الدولة الجزائري عبد القادر بن صالح مساء أول من أمس الأحد تاريخ 12 ديسمبر المقبل، موعداً لإجراء أول انتخابات رئاسية في البلاد تشرف عليها هيئة مستقلة، يكون الجيش الذي يرعى هذا المسار، قد أنهى التزامه ما قبل الأخير، بشأن فرض الحلّ الدستوري للأزمة السياسية التي تشهدها البلاد، ليبقى أمامه تنفيذ ما أعلن عنه من التزام أخير يقضي بالتأمين الكامل لضمان إجراء الانتخابات في أفضل الظروف.

لكنّ هذا التوجّه نحو الانتخابات لم يكن في حدّ ذاته محلّ تحفّظ من قوى المعارضة والحراك الشعبي، لكن الطريقة الجدلية التي اختارت بها السلطة والجيش ترتيب مخارج الأزمة السياسية، هو الذي خلق حالة مشوشة إزاء المسار الانتخابي. إذ ساد جدل واسع حول تشكيل هيئة الحوار الوطني، لحقها سجال آخر بشأن مسار الحوار نفسه والأطراف غير التمثيلية التي شاركت فيه، فضلاً عن اعتراض أبرز القوى السياسية والنقابات والمنظمات المدنية التمثيلية عليه. وزاد مستوى الجدل في حلقة أخرى بشأن المخرجات التي انتهت إليها هيئة الحوار، ثمّ الطريقة المتعجلة التي تمّ بموجبها إقرار البرلمان في ظرف خمسة أيام فقط، لقانون الانتخابات والسلطة الوطنية العليا المستقلة للانتخابات. وانتقل النقاش بعد ذلك إلى الطريقة الغامضة التي تم بموجبها الإعلان عن تشكيلة السلطة الجديدة، على الرغم من أنها حدث كان يستحق احتفاءً سياسياً كون البلاد تنجح للمرة الأولى في الحصول على هيئة كهذه ستخفف منابع التزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات.
وبقدر ما نجح الجيش والسلطة في فرض "انتخابات أمر واقع" على المجتمع السياسي والمدني، فإنه تمكن كذلك من شقّ صفوف المعارضة التي انقسمت بين معترض ومتحفّظ على الطريقة التي تمّت بها مجمل العملية، وبين قوى أبدت دعمها للمسار الانتخابي بأدواته الجديدة.


في السياق، اعتبر حزب "طلائع الحريات" الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، والذي يبدو كأكبر مستفيد بين قوى المعارضة من المسار الانتخابي الجديد، بفعل بروز مؤشرات تحالف بينه وبين السلطة، وإمكانية أن يكون المسؤول الأول فيه مرشحاً غير معلن للسلطة والجيش، في بيان أصدره أول من أمس الأحد، أنّ "الشروط المؤسساتية والقانونية لإجراء اقتراع رئاسي شفاف وصحيح وغير مطعون فيه، قد تحققت عموماً، ولكن يبقى السعي لتوفير الشروط السياسية الملائمة وخلق المناخ الهادئ".

من جهته، قال القيادي في حركة "مجتمع السلم" (إخوان الجزائر)، أحمد صادوق، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ السلطة "وضعت الجميع أمام الأمر الواقع، وفرضت مساراً هو نفسه مأزق، وسيكون من الصعب أن يشكّل مخرجاً وحلاً للأزمة". واعتبر أنّ السلطة "فضّلت القفز على المطالب الشعبية، لكن أقرّ بأنّ الحزب لم يتخذ حتى الآن موقفاً لكيفية التعامل مع الانتخابات المقبلة".
بدورها، أبدت جبهة "العدالة والتنمية" تحفّظات لافتة على المسار الانتخابي الذي فرضه الجيش والسلطة، واعتبرت في بيان لها الأحد الماضي أنّ "العجلة في تنصيب السلطة المستقلة للانتخابات من دون تحقّق من توفّر الشروط المنصوص عليها في قانونها في بعض أعضائها، يهدف إلى خندقة الناس في أحد الخيارين، وكأنه لا خيار آخر غيرهما، وهذا فيه تعنّت على معظم الناس الذين يتبنون خياراً ثالثاً يتأسس على الإيمان الصادق بعدالة وشرعية مطالب الشعب". وتدفع هذه المواقف إلى التساؤل عمّا إذا كانت قوى المعارضة تملك خياراً ثالثاً.
ورأى الناشط السياسي يوسف خبابة في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ سبب حصر المعارضة في خيارات ضيقة "يعود إلى فشل الطبقة السياسية في الاتفاق على خريطة طريق، وذلك على الرغم من محاولات عدة في هذا الصدد"، مضيفاً أنّ "هذا الخلاف أدى إلى محاولة توظيف الحراك من الطرفين، مما أدى إلى إضعافه".
لكنّ خبابة رأى أنّ عدداً من القوى السياسية تعتقد على الرغم من مواقفها المعلنة، أنّ ما تحقق حتى الآن "مهم وستتوجه نحو المشاركة في هذه الانتخابات، إلا إذا ظهرت معطيات جديدة أخرى مفاجئة وبروز مرشح للسلطة القائمة".

وقد لا تشمل تحليلات كهذه معطى مركزياً في المشهد السياسي في الجزائر، وهو الحراك الشعبي الرافض للانتخابات في الظروف الراهنة، خصوصاً مع تصاعد وتزايد أعداد المتظاهرين في أيام الجمعة الأخيرة، ما دعا الكثير من المراقبين إلى الإعلان عن تخوفهم من إمكانية تحول الموقف في الشارع إلى حالة صدام بين السلطة والجيش من جهة والحراك الشعبي من جهة أخرى.
وفي السياق، قال الناشط والباحث السياسي محمد أرزقي فراد أنّ "متابعة الحراك وتطوره، وبالنظر إلى الإصرار الذي شاهدته في المسيرة الثلاثين، أتوقع تصعيداً من طرف المواطنين ضدّ هذا المسار المفروض"، مشيراً إلى أنّ "السلطة والجيش يتحملان مسؤولية أي انزلاق تتوجه إليه الأوضاع في البلاد بسبب طريقة إدارة الأزمة السياسية".
وتدعم هذه التخوفات مظاهر عديدة تبعث على القلق من حدوث مواجهة في الشارع الذي كسر حاجز الخوف، على غرار استدعاء السلطات لقوات أمن إضافية إلى العاصمة، وتشديد الخناق والتضييق على الناشطين، وشن حملة توقيفات تستهدف عدد منهم في الفترة الأخيرة، واستمرار فرض القبضة الحديدية على وسائل الإعلام.