انتخابات الجامعات الفلسطينية: جمر الخلافات تحت الرماد

01 مايو 2016
الصورة
حظيت انتخابات بيرزيت بضجة إعلامية ومتابعة كبيرة(عباس مومني/فرانس برس)
+ الخط -
انشغلت المستويات السياسية الفلسطينية بانتخابات جامعة بيرزيت قرب رام الله التي جرت الأسبوع الحالي، وأسفرت عن فوز الذراع الطلابي لحركة "حماس" على الذراع الطلابي لحركة "فتح" للسنة الثانية على التوالي. وينظر الجميع إلى بيرزيت، كإحدى أبرز الجامعات الفلسطينية التي بقيت إدارتها محتفظة بتقاليد ديمقراطية راسخة في العملية الانتخابية الطلابية، على الرغم من صعوبة الأمر في مجتمع بات التسييس والاستقطاب يطغى على كل شيء فيه.
وبإعلان نتائج الانتخابات التي فاز فيها الذراع الطلابي لـ"حماس" بـ25 مقعداً مقابل 21 للذراع الطلابي لـ"فتح" فيما حافظ اليسار على خمسة مقاعد، بدأت جولة أخرى من الحديث عن قوة فصيلي "فتح" و"حماس"، وإذا ما كانت انتخابات بيرزيت مؤشراً لانتخابات تشريعية ورئاسية تُعتبر شرطاً أساسياً لأي حكومة وحدة وطنية مقبلة، في حال اتفقت الحركتان على إنهاء الانقسام في جولات الحوار المفتوحة حالياً.
وحظيت انتخابات بيرزيت على عكس الجامعات الأخرى، بضجة إعلامية ومتابعة من مستويات عليا في الحركتين للنتائج، إذ سبقت انتخابات مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت، انتخابات لأربع جامعات أخرى، هي جامعة القدس، وجامعة خضوري في طولكرم، وجامعة بيت لحم، وجميعها لم تشارك فيها حركة "حماس" وفازت فيها حركة "فتح" فوزاً ساحقاً، إضافة إلى جامعة البوليتكنك في الخليل، والتي شارك فيها الذراع الطلابي لـ"حماس" وخسر أمام الشبيبة (أي الذراع الطلابي لفتح)، إذ حازت الشبيبة على 18 مقعداً مقابل 12 للكتلة الإسلامية.
لتكون النتيجة أن "حماس" شاركت في العملية الانتخابية في جامعتين هما بيرزيت والبوليتكنك، من أصل خمس جامعات فلسطينية كبرى جرت انتخاباتها في الأسابيع الأربعة الماضية، في حين لم تقرر جامعتان كبيرتان، هما جامعة الخليل في محافظة الخليل، وجامعة النجاح في نابلس التي يترأسها رئيس الوزراء رامي الحمدلله، إجراء الانتخابات فيهما حتى الآن لأسباب مختلفة، فضلاً عن أن إدارة جامعة النجاح حظّرت الأنشطة والفعاليات الطلابية منذ فترة.
وتستبعد مصادر في حركة "حماس" إجراء انتخابات في جامعتي الخليل والنجاح، "لأن ثقل حماس كبير هناك، والسلطة لن تسمح بعودة حماس في الجامعات الكبرى"، وفق المصادر. فيما اتهمت كتل طلابية في جامعة النجاح إدارة الجامعة بمنع الانتخابات للعام الثالث على التوالي، تحت حجج واهية، وذلك في مؤتمر صحافي لها في 17 إبريل/ نيسان الماضي.
كلا القيادتين في "فتح" و"حماس" حاولت استخدام الانتخابات، لا سيما في بيرزيت، لأقصى درجة ممكنة، وأنفقت عليها الكثير من المال السياسي، في حين جاءت تصريحات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضو مركزية "فتح" صائب عريقات، عامة وضبابية، حين صرح يوم الخميس الماضي أمام وسائل إعلام عربية وعالمية قائلاً: "كانت لدينا خمس انتخابات في خمس جامعات فلسطينية، في الأسبوعين الأخيرين، حركة فتح فازت بأربع جامعات وفازت حماس بانتخابات بيرزيت، ونأمل أن نرى انتخابات في جامعات قطاع غزة، وانتخابات تشريعية ورئاسية". لكن عريقات فضّل عدم الخوض بالتفاصيل التي تكشف أن "حماس" لم تشارك سوى في جامعتين فقط من أصل الجامعات الخمس، ما يعني أن الأرقام هنا لا تعكس منافسة حقيقية بين الحركتين.
من جهة حركة "حماس"، اعتبر عضو المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية خلال مهرجان "لحن الانتفاضة" الذي نظّمته الحركة في غزة الخميس الماضي، أن "فوز الكتلة في جامعة بيرزيت هو فوز لنا جميعاً وليس لأهل حماس وإنما لتيار المقاومة والثوابت والتمسك بالأرض والحقوق".
نتائج بيرزيت التي تابعتها الجامعات الفلسطينية الأخرى عن كثب، إذ كانت حديث الطلاب في الجامعات الأخرى، وهي الجامعات التي لم يشارك بها الذراع الطلابي لـ"حماس" أو قررت إداراتها عدم عقد الانتخابات فيها، كشفت أن التنافس بين الحركتين لم يخفت وما زالت جمراته تشتعل تحت رماد أي عمل نقابي أو جامعي أو شعبي، وينتظر الفرصة ليبرز على السطح من جديد.


ويرى مراقبون من داخل حركة "فتح" وخارجها، أن أخطاء المستوى السياسي الفتحاوي تتحمّله الشبيبة؛ أي الذراع الطلابي، والذي يجتهد على مدار السنوات الماضية في تقديم خدمات نقابية وطلابية، لكنه يدفع ثمن أخطاء قادته في صندوق الاقتراع، إذ كانت تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإعلام الاحتلال بأن "أجهزته الأمنية تفتش حقائب طلاب المدارس وتصادر السكاكين منها" حاضرة في الدعاية الطلابية، فضلاً عن قيام قيادات فتحاوية بارزة بتقديم العزاء في وفاة جنرال في جيش الاحتلال مسؤول في الإدارة المدنية.
ويقول المسؤول الإعلامي في مفوضية التعبئة والتعليم منير الجاغوب، لـ"العربي الجديد"، إن "نتائج بيرزيت عكست تقدّماً كبيراً للشبيبة، وتقليص فارق الأصوات بواقع 450 صوتاً مقارنة بـ950 صوتاً العام الماضي كانت لصالح الكتلة الإسلامية، ما يعني أنه في حال حافظت الشبيبة على وتيرة العمل الطلابي نفسه ستفوز العام المقبل بأغلبية مقاعد المجلس".
لكن الشبيبة في بيرزيت غاضبة من النتائج، والتي لم تتوقعها، ويقول منسق كتلة الشبيبة جهاد عرب لـ"العربي الجديد": "عملنا بجد وكد طوال الأشهر الماضية لتقديم خدمات طلابية ومهنية مميزة للطلاب، لكن الكتلة الإسلامية قامت بدعاية مضادة في الساعات الـ12 التي سبقت الاقتراع، وقامت باستنفار أذرع "حماس" الإعلامية في حرب إلكترونية للنيل من إنجازات الشبيبة، فضلاً عن أخطاء المستوى السياسي التي تم استخدامها ضد الشبيبة في الحرم الجامعي".
من جهته، يرى مدير مركز القدس علاء الريماوي، أن هناك العديد من العوامل التي حالت دون فوز الشبيبة، مشيراً إلى أن "تصريحات قيادة السلطة في الفترة الأخيرة أصابت المجتمع الفلسطيني بخيبة كبيرة من فتح، كما أن هناك شعوراً غاضباً من المجتمع الفلسطيني تجاه فتح، خصوصاً في ملف المعلمين وما تبعه من سلوك في ملف الضمان الاجتماعي، إضافة إلى حركة التطبيع التي تقودها بعض الرموز في حركة فتح، والتي وفّرت مادة قدح كبيرة تجاه فتح، كما أن التنسيق الأمني وتكرار التصريحات من قبل قيادة الأمن جعل أبناء فتح يعيشون بغصة كبيرة من هذا الملف".
أخطاء "فتح" تصب بشكل أوتوماتيكي لصالح "حماس"، كما أن ما يزيد من شعبية "حماس" بين الطلبة، هو ملاحقتها من قوات الاحتلال الإسرائيلي والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، لتكسب "حماس" تعاطفاً كبيراً، تؤكده أرقام طلبتها المعتقلين. وبلغ عدد المعتقلين من الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت بعد الانتخابات الطلابية الماضية عام 2015 إلى اليوم 32 طالباً من نشطاء الكتلة، منهم رئيس مجلس الطلبة سيف الإسلام دغلس وأربعة من أعضاء المجلس المنتخب. ولا يبالغ الطلبة كثيراً حين يتندرون في ما بينهم أن أي رئيس لمجلس الطلبة من الكتلة الإسلامية لن يحظى باللقب أكثر من أسابيع قليلة قبل أن يحصل على لقب جديد هو "رئيس المجلس المعتقل".
أما في جامعة البوليتكنك في الخليل، فقد تم اعتقال كافة أعضاء مجلس الطلبة الذين تعادلوا مع الشبيبة بواقع 15 مقعداً لكل منهما عام 2015، إذ تم اعتقال خمسة من أعضاء المجلس عن الكتلة من الشباب والبنات حتى اللحظة، فضلاً عن وجود 51 طالباً معتقلاً من المحسوبين على الكتلة الإسلامية، حسب ما صرحت به الكتلة الإسلامية في البوليتكنك لـ"العربي الجديد".
الأمر لا يختلف كثيراً في جامعة القدس التي لم يشارك الذراع الطلابي لحركة "حماس" في انتخاباتها، ويؤكدون أن الاعتقالات من قبل الاحتلال طاولت 70 طالباً وطالبة منهم، فضلاً عن الاستدعاءات الأمنية المتكررة من قبل أجهزة السلطة للنشطاء في الكتلة، الأمر الذي جعلهم يفضلون عدم المشاركة في الانتخابات.
وتعليقاً على هذا الأمر، يرى علاء الريماوي أن المعطيات الحالية تجعل صاحب القرار في الضفة الغربية يمتنع عن السماح بإجراء انتخابات، موضحاً أن "من يملك مفاتيح الضفة لن يسمح بانتخابات ترتب البيت الفلسطيني، لأن أي انتخابات مقبلة ستشكّل الحالة الفلسطينية على النحو التالي: حماس ستحصل على 40 إلى 44 في المائة من الأصوات، فتح بين 36 و38 في المائة، الجهاد والجبهة الشعبية سيكون لهما نصيب بين 15 و18 في المائة وباقي التجمّعات ستحصد ما تبقى". ويشير إلى أن "التحالفات المناهضة للسلطة وفتح ستشكل الحالة الفلسطينية من حيث المنظمة والسلطة، لذلك لن تذهب فتح لخيار الانتخابات ولن يحصل هذا الخيار على دعم من محاور المنطقة".


المساهمون