انتحار وأزمات اقتصادية وشائعات في مصر

27 يوليو 2018
الصورة
هل يحاول الانتحار؟ (محمد الشاهد/ فرانس برس)

تختلف أسباب الانتحار، غير أنّ الإقدام على وضع حدّ للحياة يرتبط قبل كلّ شيء بـحالات نفسيّة تجعل المرء مهيّأ لمثل ذلك الفعل. في مصر، تكثر حالات الانتحار ويربطها كثيرون بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

في الساعات الأولى من يوم الإثنين الماضي في 23 يوليو/ تموز، أقدم عامل تجميع خردة بقرية بداوي التابعة إلى مركز المنصورة على الانتحار داخل حجرته، "بسبب مروره بضائقة مالية". وقبل ذلك بأيام، ألقى شاب بنفسه تحت عجلات المترو في محطة المرج القديمة، ما أسفر عن مصرعه في الحال، فاستخرجت جثته واستؤنفت حركة القطارات بعد تأخير دام 10 دقائق. وفي الثالث من يوليو/ تموز الجاري، أنهت فتاة عشرينية حياتها تحت عجلات قطار محطة "ماري جرجس"، بسبب ضغوط الحياة ومشاكل أسرية متفاقمة مع أشقائها.

وفي 22 يونيو/ حزيران الماضي، انتحر شاب في العشرينيات من عمره كان يمرّ بحالة نفسية سيئة، على خلفية ضائقة مالية وفشل في إتمام عملية بيع قطعة أرض حتى يتمكّن من تحمّل تكلفة جراحة لوالدته المريضة. وفي 12 من الشهر نفسه، ألقى طالب مصري بنفسه من أعلى برج القاهرة، أحد أشهر معالم مصر. فهو كان قد تغيّب عن امتحان آخر العام وخاف من عقاب والده، وبالتالي أقدم على الانتحار. وفي 27 مايو/أيار الماضي، أقدم مهندس في الثلاثينيات من عمره على الانتحار لكثرة ديونه وسط الضائقة المالية التي يعانيها. والضائقة المالية كانت كذلك سبباً في انتحار عامل شنقاً في الإسكندرية في 21 إبريل/ نيسان الماضي. يُذكر أنّ في شهرَي مارس/ آذار وإبريل/ نيسان الماضيَين، شهدت محافظة الجيزة وحدها ستّ حوادث انتحار متفرّقة بسبب ظروف نفسية أو خلافات أسريّة. وتتكرر أخبار هذه الحوادث وغيرها في وسائل الإعلام المصرية، في حين تعود أسبابها إلى ضوائق نفسية نتيجة عنف أو يأس أو إحباط وكذلك ضوائق مادية نتيجة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي طاولت الشعب المصري خلال السنوات الخمس الماضية.




وكان قرار تعويم الجنيه المصري في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 قد أحدث أزمة كبيرة ورفع الأسعار، فقفزت نسبة التضخم السنوي في البلاد لتصل إلى 23.3 في المائة في ديسمبر/ كانون الأول 2017 بينما كانت 19.4 في المائة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وذلك وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وقد وصلت نسبة تضخم أسعار الأغذية والمشروبات إلى 28.3 في المائة في ديسمبر/ كانون الأول 2017، في حين بلغت نسبة التضخم في قطاع الرعاية الصحية 32.9 في المائة وفي قطاع النقل 23.2 في المائة. وتنعكس الترجمة الفعلية لتلك الأرقام على الشارع المصري في صور عدّة، لعلّ الانتحار أكثرها بشاعة.

قبل أيام، في 22 يوليو/ تموز الجاري، حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في خطاب تلفزيوني بمناسبة تخرّج دفعة الكلية الحربية لعام 2018، من الخطر الحقيقي على الشعوب وهو بحسب قوله تفجيرها من الداخل ببثّ الإحباط واليأس وفقدان الأمل ونشر الشائعات والإرهاب. وأكّد أنّ "الخطر الحقيقي هو تفجير الدول من الداخل... الضغط والشائعات والأعمال الإرهابية وفقد الأمل والإحساس بالإحباط. كلّ الأمور دى بتشتغل بمنظومة رهيبة جداً الهدف هنا حاجة واحدة بس هو تحريك الناس لتدمير بلدهم". وذلك قبل أن يعلن أنّ السلطات رصدت 21 ألف شائعة خلال ثلاثة أشهر، أي بمعدّل سبعة آلاف شائعة شهرياً أو 240 في اليوم الواحد أو نحو 10 شائعات في الساعة. تابع السيسي خلال حديثه عن الشائعات أنّ "التدمير لبلادنا مش هيكون غير من جوّانا. (لا بد أنّنا) نخلّي بالنا وننتبه تماماً لما يُحاك بنا... أنا عايز أقول إنّ الفرق كبير قوي بين التضحيات دي. تضحيات الشعب في سبيل تجاوز المشكلة الاقتصادية والأزمة الاقتصادية التي عانينا منها الكثير وبين تدمير الدولة وإحداث الفوضى... فرق كبير جداً بين الاتنين... المعاناة دي لا تساوي المعاناة دي".

وعقب خطاب السيسي، راح نظامه ومؤسساته وإعلامه تحذّر من الشائعات وتجرّمها وتوجّه أصابع الاتهام إلى المحرّضين ووسائل التواصل الاجتماعي. وأكثر من ذلك، أعادت دار الفتوى المصرية إصدار بيان لها عن تحريم الإسلام نشر الشائعات وترويجها. وجاء في بيانها: "يساهم في سرعة انتشار الشائعة سببان رئيسيان: الأول: أهمية الموضوع؛ فكلّما كان الموضوع ذا أهمية كثرت الشائعات حوله، والثاني: قلة انتشار المعلومات الصحيحة عن هذا الموضوع". وأكّدت أنّه "لا ينبغي إغفال دور وسائل الاتصال الحديثة؛ فإنّها تساهم بدور كبير في سرعة انتشار الشائعة ووصولها لقطاع عريض من الناس، ولهذا كله، وفي سبيل التصدي لنشر الشائعات جفّف الإسلام منابعها؛ فألزم المسلمين بالتثبّت من الأخبار قبل بناء الأحكام عليها، وأمرنا بردّ الأمور إلى أولي الأمر والعلم قبل إذاعتها والتكلم فيها، كما نهى الشرع عن سماع الشائعة ونشرها، وذمّ سبحانه وتعالى الذين يسمّعون للمرجفين والمروجين للشائعات والفتن".




في السياق، تشير دراسة أعدتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (منظمة مجتمع مدني مصرية) بعنوان "النقود وحدها لا تكفي"، إلى حقيقة وهي أنّ سياسات الدعم بصورها المختلفة كانت عاجزة عن ملاحقة أزمات التضخم التاريخية، وذلك بسبب العيوب الهيكلية في الاقتصاد المصري التي تجعله يعتمد بشكل أساسي على استيراد السلع الأساسية من الخارج، لذا كانت الفترات التي شهدت ارتفاعاً قوياً في الإنفاق الاجتماعي مجرّد محاولات من الدولة للحفاظ على امتيازات الدعم القائمة وليست توسعاً في تقديم تلك الامتيازات.

وخلصت المبادرة في دراستها إلى أنّ سياسة الدعم النقدي المباشر والانتقائي التي تنتهجها الحكومة غير قادرة على مواجهة الفقر، في ظل غياب سياسات تساعد على تحفيز النمو وتنشيط سوق العمل، خصوصاً مع قيام الدولة باستيراد السلع الأساسية من الخارج. ووصفت المبادرة الدعم المقدّم في صورة معاشات حكومية أنّه مجرّد أداة لإسكات الفقراء وصرفهم عن الاحتجاج على الضغوط الاقتصادية المتزايدة.