انتحار في لبنان... الموت الذي لا نعرفه أفضل من حياة ندركها

08 يوليو 2020
الصورة
تدهور الوضع المعيشي سريعاً في لبنان (حسين بيضون)

يتخوّف اللبنانيون من تزايد عدد حالات الانتحار في البلاد، بعدما قرَّر أربعة أشخاص خلال يومين فقط وضع حدٍّ لحياتهم. يأتي ذلك في ظلّ ظروف معيشية قاسية جداً تسببت بها أزمات عدة تضرب لبنان

قبل أيام، أقدم أربعة أشخاص على الانتحار في لبنان، بأساليبٍ مختلفة؛ السلاح الناري، والشنق، والارتماء من شرفة المنزل. فقد أطلق مواطن النار على نفسه في شارع الحمراء في بيروت تاركاً وراءه رسالة: "أنا مش كافر" وهي الأغنية التي تستكمل بعبارة "بس الجوع كافر" تاركاً ورقة سجله العدلي نظيفة من أيّ أحكام قضائية، في رسالة قوية أراد توجيهها الى المسؤولين والشعب علناً من شارع حيوي وناشط. كذلك، عُثِرَ على مواطن جثة هامدة قتل بإطلاق النار في منزله الكائن في منطقة الحوش، في صور جنوباً، كما عثرت الأجهزة الأمنية على مواطن آخر مشنوقاً داخل شقته في الشوف (جبل لبنان، وسط) أما في بعبدات، المتن (جبل لبنان) فقد رمى مواطن رابع بنفسه من على شرفة منزله.
عداد الانتحار مرجحٌ للارتفاع مع تقديرات البنك الدولي بتزايد انتشار الفقر في لبنان إلى 45 في المائة عام 2020، لنكون أمام 335 ألف أسرة فقيرة هذا العام، بينها 163 ألف أسرة تحت خط الفقر الغذائي، في ظلّ خسارة آلاف اللبنانيين وظائفهم وسط انهيار مالي ومجتمعي ومعيشي هو الأسوأ منذ عقود وينذر بتداعيات كارثية، يبدو الانتحار واحداً منها. ولا يقتصر الأمر على النجاح فيه، بل إنّ هناك محاولات انتحار عدة وقعت، من بينها محاولة شخص إحراق نفسه علناً أمام المارّة احتجاجاً على تردي الأوضاع.


يقول الباحث في "الدولية للمعلومات" (شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية مستقلّة) محمد شمس الدين لـ"العربي الجديد" إنّ لبنان سجّل 71 حالة انتحار منذ بداية عام 2020 حتى نهاية شهر مايو/ أيار الماضي، أي خلال خمسة أشهر، بينما كانت 74 حالة في الفترة نفسها من العام الماضي. وتشير المعالجة النفسية، ميا عطوي، وهي من مؤسسي جمعية "إمبرايس" لـ"العربي الجديد" إلى أنّ 171 حالة انتحار سجّلت عام 2019، من بينها 63 ضمن الفئة العمرية 18- 29 عاماً، ما جعل هذه الفئة الأكثر عرضة للوفاة انتحاراً في لبنان. وتراوحت حالات الانتحار بحسب الفئات العمرية الأخرى، كالآتي: 12 حالة في صفوف فئة 10-17 عاماً، و29 حالة في صفوف فئة 30- 39 عاماً، و19 حالة في صفوف فئة 40- 49 عاماً، و24 حالة في صفوف فئة 50- 59 عاماً، و24 حالة في صفوف فئة 60- 89 عاماً، بحسب إحصائيات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وتلفت عطوي الى أنّ تسعين في المائة من حالات الانتحار مرتبطة بمرض نفسي يعود إلى عوامل مختلفة تبعاً للظروف المحيطة به، لكن في ظلّ الأزمات التي يمرّ بها لبنان اليوم، لا يمكن حصر الانتحار بالتقييم المذكور نظراً لتردي الأوضاع الاقتصادية والمجتمعية والمالية وارتفاع معدلات البطالة والفقر والجوع التي تدفع البعض إلى اليأس، كما أنّ تعرف هؤلاء عبر وسائل الإعلام على حالات مماثلة مرّت بالظروف نفسها وأنهت حياتها، قد يدفعهم أيضاً الى القيام بالفعل نفسه، وهذا ما يعرف بـ"عدوى الانتحار".

انتحار حسين بيضون


وتقول عطوي إنّ "اتصالات كثيرة تردنا على الخط الساخن 1564 العائد للجمعية (المخصص لمساعدة من يفكرون بالانتحار). فمهمتنا في الدائرة هذه ليست حلّ المشاكل الاقتصادية بل الوقوف إلى جانب كلّ شخص يمرّ بأزمة نفسية ويشكو أنواع الضيق المجتمعي كافة ويعيش في عزلة ويأس، ولا يتمكن من الحديث عن وجعه أمام الغير، ودورنا هنا محاولة تحسين وضعه النفسي وإعادة الأمل إليه بالحياة عبر إعطائه تفسيرات أخرى للواقع ومشاكله ما من شأنه أن يساعده لفترة معينة من الوقت". وتقول عطوي إنّ الضغوط التي يمرّ بها لبنان تؤثر كثيراً على الأشخاص، لا سيما من يعانون من عوامل نفسية معينة، علماً أنّ تأثيرات الانتحار ليست فردية على الصعيد اللبناني بشكل خاص لأنها تتحوّل الى مأساة تطاول الأسر والمجتمعات وحتى المناطق والمدن اللبنانية.
من جهته، يشدد المتخصّص في الطب النفسي، الدكتور أنطوان سعد لـ"العربي الجديد" على أنّ الطبيعة البشرية معقّدة جداً وتختلف عما نقرأه في الصحف والكتب والروايات حتى في موضوع الانتحار، فلا يمكن التعميم، بل يجب التطرّق إلى كلّ حالة على حدة، لأنّ الأسباب تختلف في حالة كلّ شخص قرر وضع حدّ لحياته. ويلفت سعد إلى أنّ "الإنسان يعتبر الموت الذي لا يعرفه أفضل من الحياة التي يعرفها، وهذا ما يجعله يقدم على الانتحار المترافق أيضاً مع صعوبات معينة سواء معيشية أو مجتمعية أو نفسية أو مادية وضعته أمام حائط مسدود يعتقد أن ليس بإمكانه هدمه وبالتالي حلّ مشاكله، فيقرّر الذهاب إلى مكان مختلفٍ عما يعيش فيه".


بدورها، تشدد المتخصصة في علم الجريمة، باميلا حنينه لـ"العربي الجديد" على أنّ الانتحار "ظاهرة معقّدة ومتعدّدة الأوجه وهي عبارة عن تفاعل بين علم الأعصاب وتاريخ الشخص العائلي والأحداث الصعبة التي يمرّ بها الشخص والبيئة، بالإضافة الى كيفية التعامل مع القلق العقلي للهروب، لذلك فإنّ هناك ضرورة لتجنّب اعتماد نهج المقياس الواحد للتوعية حول الانتحار وتقديم التوصيات نفسها الى مائتي شخص على سبيل المثال". وتلفت حنينة إلى أنّ أكثرية الحالات الصحية والعقلية ما زالت عبارة عن "تابو" وهي إلى تزايد في المجتمعات العربية، إذ يميل مجتمعنا الى تصنيف حالات الانتحار والصحة العقلية على أنّها "حالات مجنونة" ويصار إلى ربطها بالجانب الديني كأنّ المنتحر تخلى عن ربّه، أو أنّه غير مؤمن، وهذا ما رأيناه عندما ترك الشخص الذي انتحر في منطقة الحمراء، يوم الجمعة الماضي، رسالة كتب عليها: "أنا مش كافر" وذلك استباقاً لتخوينه دينياً.

انتحار حسين بيضون

 

وتعتبر حنينه أنّ هناك ثقافات تعاني من الصمت والعار حول قضايا الانتحار بناءً على فرضيات خاطئة، فينتهي المطاف بالعديد من المهنيين الصحيين والأطباء عن قصد أو عن غير قصد لتلبية حالات الأشخاص الذين هم بنظرهم "ضعفاء" من دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الوراثية والعائلية والبيئية والاقتصادية التي تؤثر أيضاً في الأشخاص "الأقوياء" وبالتالي، ليس كلّ شخص ضعيف سيتجه إلى الانتحار، وليس الشخص القوي بمنأى عن هذه المحاولات. وترى حنينه أنّ في لبنان لا تصنيف لسبب الانتحار ولا تسجيل للبيانات فيما البحوث العلمية قليلة، علماً أنّ أهم عنصر لحفظ البيانات هو أولاً الأسر لوعيها حول سبب انتحار الشخص، فهي على احتكاك مباشر معه بالإضافة الى إفادات الأطباء الشرعيين. تتابع: "كعلماء جريمة، نركز في العنف على كيفية تطبيق العوامل الديموغرافية مثل العِرق، والحالات الاجتماعية والاقتصادية، والجنس، ومن خلالها نتحدث عن تأثيراتها لناحية العنف. لذلك، يجب التركيز ليس فقط على المخاوف من تداعيات تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أمنياً تجاه الغير، بل تأثير ذلك على العنف الداخلي أي تجاه الذات". وتضيف أن "هناك مقولة متعارفا عليها تصنّف الرجل بشكل خاص الذي يطلب المساعدة على أنّه ضعيف ولا فائدة منه والمجتمع في هذه الحالة لا يرحمه، ما يخلق لديه نوعاً من المعاناة مع مشاعر الاغتراب عن المجتمع مع ضعف الوصول إلى الخدمات الصحية، ما قد يؤدي إلى الإدمان على الكحول أو المخدرات والمواد الأفيونية وكذلك الانتحار".
تبعاً لذلك، وفي سياق تشديدها على عدم تعميم السياسات الوقائية، ترى حنينه أنّ من الضروري إجراء تقييمات سنوية للتركيبة السكانية خصوصاً الأشخاص ما دون الثلاثين، وما فوق الخمسين، فهم أكثر عرضة للانتحار.


وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2019 فإنّه على الرغم من أنّ العلاقة بين الانتحار والاضطرابات النفسية (خصوصاً الاكتئاب والاضطرابات الناجمة عن إدمان الكحول) معلومة تماماً في البلدان مرتفعة الدخل، فإنّ هناك العديد من حالات الانتحار التي تحدث فجأة في لحظات الأزمة نتيجة انهيار القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة، مثل المشاكل المالية، أو انهيار علاقة ما أو غيرها من الآلام والأمراض المزمنة. بالإضافة إلى ذلك، تقترن النزاعات والكوارث والعنف وسوء المعاملة أو الفقد والشعور بالعزلة بقوة بالسلوك الانتحاري. وترتفع معدلات الانتحار كذلك بين الفئات المستضعفة التي تعاني من التمييز مثل اللاجئين والمهاجرين؛ والشعوب الأصلية، والمثليين والمثليات، والمتحولين جنسياً، وثنائيي الجنس، والسجناء. وتعتبر محاولة الانتحار السابقة أقوى عامل خطر للانتحار اللاحق.