انتحار شعب

انتحار شعب

19 مايو 2016
الصورة
بلغ عدد العاطلين عن العمل 209 آلاف(جمال نصرالله/فرانس برس)
+ الخط -
قطعت إدارة موقع التواصل الاجتماعي الأشهر "فيسبوك" على الأردن حكومة وشعباً، متابعة مشهد فنتازي كان مقرراً نهاية الشهر الحالي، حين أغلقت صفحة أنشأها ناشطون دعوا خلالها العاطلين عن العمل للمشاركة في انتحار جماعي حددوا محيط دار رئاسة الوزراء مسرحاً لتنفيذه، قاصدين من خلال الدعوة لفت انتباه الحكومة للبطالة المتنامية بين صفوف الشباب، والذين باتوا يتحولون بفعلها إلى قنابل مهيأة للانفجار أو مشاريع استقطاب من قبل الجماعات الإرهابية.
برر "فيسبوك" إغلاق الصفحة، التي أُطلقت بعد أيام من ثني أجهزة الأمن خمسة شبان عن انتحارهم جماعياً من فوق بناية مهجورة وسط العاصمة، بأنها تخالف سياسة الموقع الذي ينبذ الدعوة للموت والقتل الجماعي.
تبرير إغلاق الصفحة منطقي، لكنه فوّت فرصة نادرة لقياس حجم الاحتقان الذي يعيشه المجتمع الأردني، وجرأته على التعبير الصارخ عن مشكلة تغيب الدراسات الدقيقة التي تحدد حجمها الحقيقي وانعكاساتها الاجتماعية، وتديرها الجهات المعنية بعقلية أمنية.
بالتزامن مع دعوة الانتحار الجماعي التي أعلن الأمن عن تعقب مطلقيها لإحالتهم للقضاء، وبعد أشهر من ترويج وزارة العمل لجهودها في خفض مستويات البطالة من خلال خلق آلاف فرص العمل للشباب، كشف تقرير صادر عن البنك المركزي أن معدلات البطالة سجلت في العام الماضي أعلى معدل لها منذ العام 2008، وأحصى دخول 36 ألف شخص إلى سوق البطالة، ليرتفع الرقم الإجمالي للعاطلين عن العمل إلى قرابة 209 آلاف.
منطقياً، لو قُدّر للدعوة أن تستمر حتى موعدها المقرر في التاسع والعشرين من مايو/أيار الحالي، فلن يلبي جميع العاطلين عن العمل الدعوة، ويستحيل لوجستياً مشاركة كل ذلك العدد في "حفل" انتحار جماعي، يستطيع رئيس الوزراء "التمتع" بمتابعته مباشرة لانخفاض عدد المباني الصالحة لتنفيذ الخطة الاحتجاجية بمقارنة بعدد العاطلين عن العمل الضخم، وكان وارداً ألا تتعدى الدعوة حالة العبث وتُمنى بفشل ذريع حين لا يلبيها عملياً أي أحد.
لكن إمعاناً في الفانتازيا والكوميديا السوداء، كان يمكن أن يحضر جميع العاطلين عن العمل وأضعاف عددهم ممن يتقاضون رواتب دون خط الفقر، وكل من يشعر بمظلمة اقتصادية أو سياسية واجتماعية، وينتحر الشعب كله.

المساهمون