امتحانات أم اتهامات؟

08 ديسمبر 2016
الصورة
لا يمكن تقييم جميع التلاميذ بمقياس واحد فكلهم مختلفون(Getty)
+ الخط -
الكارثة الحقيقية التي أعيشها مع ابنتي التي تدرس في الصف الحادي عشر، أي أن هذه الكارثة مستمرة منذ أحد عشر عاماً، هي كارثة الاختبارات الشهرية ونصف الفصلية، علماً أنني قد مررت بهذه الكارثة على نفس النحو مع باقي إخوتها، وكان وقعها أشد عليّ لأنها كانت لا تأتي فرادى، وتبقى هذه الكارثة الأخف لأنها مفردة، ولكني لا أتوقف عن تصنيفها ككارثة بيتية تحيق بربات البيوت والعاملات وبالطلاب والطالبات والتلاميذ والتلميذات.

لا أدري من ابتدع الاختبارات الشهرية، والتي رضينا بها كهم ثقيل، وكوسيلة قياس غير ناجعة، لكي يتفتق ذهن أحدهم عن فكرة الاختبار نصف الفصلي والذي لا يبعد موعده عن الاختبار الشهري بأيام قليلة، وحيث إن أي تلميذ في المرحلة الابتدائية أو حتى الطالب في المرحلة الثانوية يكون لديه مجموعة من المواد الدراسية التي لا تقل عن ست مواد كل فصل.

فهو سيتقدم لهذه الاختبارات كل على حدة، وما أن ينتهي منها ويلتقط أنفاسه حتى يبدأ المعلم بتجهيزه لاختبار الشهر الجديد والذي ما أن تنتهي اختباراته حتى تبدأ الاختبارات نصف الفصلية وتكون عبارة عن اختبارات في مجموع ما درسه من دروس في الشهرين السابقين على اعتبار أن الفصل الدراسي الواحد يتكون من أربعة أشهر.

وسيلة عقيمة ومكررة وقديمة وأكل عليها الزمان وشرب، للتقويم وتقرير درجة التحصيل، ويترتب عليها نتائج غير مجدية ومؤذية للطالب وأهله على كافة الصعد، ولا تأتي بفائدة تذكر على العملية التعليمية لأنها اقتصرت على الحفظ واستظهار ما حفظه الطالب ونسخه على الورق، وكأنه يشبه عملية حلب البقرة وشرب بعض حليبها الغزير ثم سكب ما يتبقى منه فوق الرمال دون أن يستفيد منه أحد، أو أن يفكر أحد بإعداد الزبادي والجبن والزبد منه على سبيل المثال، وهذا ما يحدث فعلاً حتى يمل الطالب المدرسة والاختبارات، وطريقة التقويم الوحيدة، ولذلك نجد أن معظم تلاميذ وطلبة المدارس يكرهون الحليب الصباحي لأنه يبقى حليباً لا يتغير ولا يتبدل.

نحن بحاجة لإعادة صياغة فن التقويم في المدارس العربية، بحيث نقلل من الامتحان كأداة لقياس القدرة أو الكفاءة، لأننا نعلم جميعاً أن طرائق التعليم التقليدي تجعل الطالب يركز على طريقة البصم وهي طريقة فاشلة في التعليم، يحفظ الطالب فيها المعلومات كي يجتاز الامتحان فقط، وبعد ذلك ينساها، وهذا ما يحدث ونراه في نهاية كل فصل دراسي، حيث نرى الطلبة يلقون بكتبهم ودفاترهم ويمزقونها بعد أن يؤدوا الامتحان، فيصبح امتلاك المعلومة بالنسبة لهم آنياً لحظياً، وهذا أسلوب فاشل لا يخلق تعليماً ينمي التفكير ويقود إلى الإبداع والتميز ويحقق التنمية.

ونحن بحاجة كذلك إلى إعادة صياغة نظام التعليم هذا، والاتجاه نحو التعلم بالممارسة واللعب والدراما وعبر المشاريع والتجريب والتطوير، وبهذا تتكرس المعلومات في ذهن الطلبة ويبنون عليها بحيث تصبح تراكمية. ورحم الله علي بن أبي طالب وكرم الله وجهه الذي أجاب حين سئل يوماً: بم صرت أخطب العرب؟ فقال: حفظت أشعارها ورويت أخبارها فامتلأ الإناء فنضح.

إن إرهاق الطلبة بالامتحانات يؤدي بهم إلى العزوف عن التعليم وكره المدرسة، وما أصعب أن تكون المدرسة مكاناً غير مرغوب فيه من قبل الطلبة لأنهم سيشعرون حينها أنها سجن وينبغي عليهم أن يتحرروا من قيوده وبذلك نكون قد خسرنا أبناءنا وحولنا بيوت العلم إلى أماكن غير صديقة للأطفال.

المساهمون