اليوم الأول

14 يونيو 2015
الصورة
نذير تنبولي / مصر
+ الخط -

يظهر الرجل الأول وسط المسرح، خمسيني عريض المنكبين، أنيق الهندام، يجلس بهدوء واضعاً قدماً فوق الأخرى، يرتدي نظارة طبية، ويلبس قبعة بنية اللون لا تخفي عروق الشيب التي بدأت تغزو شعره. يجلس قبالته الرجل الثاني، من نفس عمره تقريباً إلا أن الهرم يبدو عليه بشكل أوضح، أصلع الرأس خشن الملامح.

الأول: (وهو يمسك بحجر الشطرنج متردّداً بتحريكه على الرقعة الصغيرة الموضوعة على الطاولة بينهما) اهدأ لقد بدأت أفقد أعصابي!

الثاني: (يهز برأسه منصاعاً) حسناً! كما تريد.

(يتنهد الأول وهو ما يزال يجسّ أحجار الشطرنج بيده متردّداً)

الثاني: هل أشغل لك جهاز الموسيقى؟

الأول: (دون أن ينظر إليه) لا.

الثاني: ألم أخبرك بأنهم قد أزالوا الساحة العامة  في حيّنا بداعي تجديدها؟ لقد باشرت الجرافات عملها منذ الصباح الباكر، بينما كنت غارقاً في نومي، أيقظتني زوجتي وهي خائفة من الصوت، (يضع يديه على أذنيه) لقد كان الصوت مهولاً بالفعل، طلبت منها أن تعود للنوم، لكنها رفضت وألحت علي أن نذهب لمشاهدة ما يحدث في الخارج. ذهبت معها وجلسنا نطلّ من نافذة المطبخ، الدموع  تغرق وجهها، أما أنا لم أكن مبالياً على الإطلاق، لسبب واحد فقط، لم أجد تفسيراً منطقياً لذلك الانهيار، أكتفيت بسيجارة واحدة دون أن أشعر بأي شيء على الرغم من أنها كانت تروي لي كيف أن الرجال والأشجار والأطفال والعجزة يركضون في كل الاتجاهات.. هل تعلم ما الغريب في الأمر؟ كنّا نرى الأبنية والمحلات تنهار دون أن نرى الجرافات! كأن الصوت هو الذي كان يدمّر كل شيء. شرعت زوجتي بالبكاء وهي تتأمل المنظر حتى الصباح...

الأول: (متأففاً) وبعد ذلك؟

الثاني: عدت للنوم، وفي الصباح استيقظت كما العادة.. تناولت فطوري بسرعة ثم ذهبت إلى عملي.. كأن شيئاً لم يحدث.

(ينهض الأول ويسير باتجاه مشغل الموسيقى، يضع أسطوانة، تشتغل (تنطلق) الموسيقى بصوت خافت. ثم يصعد على الدرج الموجود في عمق المسرح. يلتفت باتجاه الثاني).

الأول: إنه موعد الدواء.

الثاني: لا تخف لن أعبث بالحجارة.

الاول: كفاك ثرثرة! (يخرج)

الثاني: (وهو يهز برأسه ضاحكاً) أنت تعرفني حق المعرفة، لا أحد يضاهيني بتنفيذ الأوامر.

(ينهض من مكانه يتفحص المكان وكأنه يكتشفه للمرة الأولى، يتأمل مشغل الموسيقى للحظة.. يتجه صوب اللوحتين على الجدار المقابل، يقف أمامهما)

الثاني: أراهن على أنه لا يفهم شيئاً من هذه الرسومات الاعتباطية، لم يتوقف عن القول لي: (مقلداً صوته الرخيم) أنت أحمق ولن تدرك قيمة هاتين التحفتين! (يسعل ثم يضحك بصوت عال) أرأيت أن لا قيمة لهذا الهراء مادمت لا تخرج من هنا.. انظر إلى تلك (مشيراً بسبابة يده اليمنى إلى إحدى اللوحات)، ما قيمة ألوانها إن لم ترها في الحقيقة؟ اللعنة عليك! (يبصق على اللوحات) كم أود لو أمزق جميع الأشياء في هذا المكان.. (ينظر ويشير باتجاه الدرج الخشبي) حتى رأسك أنت.

(يظهر الرجل الأول، فيستدرك الثاني بسرعة وينقلب غضبه إلى ابتسامة صفراء).

الثاني: أتعلم؟ لقد بدأت شيئاً فشيئاً أفهم كلامك عن أهمية هذه التصاوير.

الأول: (وهو ينزل الدرج ببطء) اللوحات.. تقصد اللوحات.

الثاني: عفواً! اللوحات. خطر في ذهني شجارنا منذ عشرين سنة حولها.. وقتها لم أعرف ما تعنيه أنت تماماً، ولكني اليوم أؤكد لك بأني أكثر تفهّماً لمغزى كلامك.

الأول: (يقترب من الثاني وهو يمسك بقميصه غاضباً) ما قصدك؟

الثاني: عندما نشب حريق كبير في المدينة وجئتك راكضاً في منتصف الليل، كان شيئاً عظيماً منك (يفلت من قبضته) كنت ألهث بثياب النوم أمام باب بيتك.. (يصعد إلى أعلى الدرج بسرعة) هيا اصعد لنلعب الشطرنج.. اصعد.

(يركض الأول باتجاه الرجل الثاني يمسك بثيابه ويرميه أرضاً إلى أسفل الدرج)

الأول: (بغضب)أيها السافل! كم مرة قلت لك أن لا تصعد إلى هنا؟

الثاني: (وهو يحاول تهدئة الموقف) فقط..

الأول: (مقاطعاً) اخرس للمرة الألف، لن أسمح لك بالدخول إلى بيتي إن فعلت ذلك مجدداً، (يركله بقدمه) اغرب عن وجهي!

الثاني: (وهو يجلس بسرعة أمام طاولة الشطرنج) إنه دورك.

(يسير الأول بهدوء نحو كرسيه وهو يضع نظارته المعلقة بخيط رفيق على عنقه، يجلس ثم يتأمل الحجارة بعد أن استعاد كامل هدوئه، يشير للثاني برأسه نحو مشغل الموسيقى).

(ينهض الثاني ويطفىء مشغل الموسيقى (الحاكي)، يخرج الأسطوانة بعناية ويعيدها إلى عبوتها، ثم يعود للجلوس في مكانه).

الثاني: هل تعتقد أن هذه الأدوية التي تتناولها بشكل مستمر تفيدك بشيء؟

الأول: (لا يعيره أي اهتمام)

الثاني: يحكى أن الكثير من الأمراض البسيطة الآن كانت مميتة  قبل قرون، وأن شعوباً بأكملها قد اندثرت بسبب الزكام أو الحمى. السؤال نفسه أسأله لنفسي عندما أكون جالساً بين الآلاف في ملعب كرة القدم، فأنت تعرف أنني أذهب إلى هناك فقط لأجلس وأغلق عيني دون أن أشاهد المباراة. أعتقد أن الكثيرين يفعلون مثلي، لا يحبون كرة القدم، ولكن ثمة متعة كبرى بأن لا تسمع أنفاسك ولا تراقب دقات قلبك، أنا هناك لا أخشى أي شيء على الإطلاق، (يقف بانضباط وهو يشير باتجاه الجمهور) الضجيج والزحام يوفران نوعاً من الراحة المطلقة التي لم أعرفها في حياتي إلا في مثل تلك الاماكن. لهذه الأسباب أعشق الجماهير. ولكن هناك أمراً في غاية الأهمية، مرة بقيت بعد أن انصرف الجميع من الملعب، كان المنظر مقرفاً، نفايات، ومناديل وزجاجات فارغة وروائح كريهة.. توقفت بعدها عن الذهاب إلى الأماكن المزدحمة لسنوات. ربما كان ذلك نتيجة تجمعهم الكبير وجلوسهم المتشابه وصيحاتهم المتماثلة، وربما مشاعرهم أيضاً. لكنني قررت منذ خمس سنوات الذهاب مجدداً إلى هناك نهاية كل أسبوع، ثمة متعة لا توصف وأنت لا تشعر بأي شيء على الإطلاق وكأنك ذرة من الغبار وسط كل هذا الفراغ.

(يحرك الرجل الأول أحد الحجارة ثم ينظر إلى الثاني بازدراء).

الأول: لقد حان دورك.

الثاني: (وهو في مكانه) يجبرونني أحياناً على التصرف ببذاءة، خصوصاً في دورات المياه العامة وفي الاحتفالات الرسمية أيضاً، كثيرة هي الأمور التي تحفزك على التقيؤ. كما لو أنك تجلس في دورات مياه مكشوفة في الهواء الطلق (يجلس في مكانه على الأرض) ولكن دون مرايا.

(يتوجه الرجل الأول إلى الطاولة الموضوعة على يسار  المسرح، يتفقد الظروف البريدية ويتفحصها واحدة تلو الأخرى).

الثاني: أكره الأشياء المنمقة، فضائح وروائح بالجملة يحاولون إخفاءها، من وجهة نظري إنها ليست امتيازاً محلياً، بل هي أكبر من ذلك، الجميع يحدق في المرآة وهو يغسل يديه بعد أن ينتهي، أن ينتهي ويتخلص من فضلاته يرى نفسه أكثر جمالاً. وإن أكثر ما يثير فضولي هو قطع الكهرباء عنهم مثلاً، لأنك تجدهم يقضون ساعات في غسيل أيديهم، ما أحلاهم وهم يشمون أيديهم بين اللحظة والأخرى ويتخيلون أن بقايا أوساخهم باقية على وجوههم (يضحك، وهو ينظر باتجاه الرجل الأول الجالس على الكنبة والمشغول بتفحص رسائله).

الثاني: نفس الرسائل تقرؤها منذ عقود، لا جديد. (ينهض ويقف أمامه) ألم تملّها؟

الأول: (وهو يقرأ إحدى الرسائل بترقب) لا، إنها جديدة.

الثاني: ولكنني..

الأول: (مقاطعاً) اصمت! دعني أقرأها.. يبدو أنها مهمة

الثاني: يا سيدي! أنا أحضر لك الرسائل من صندوق البريد في مدخل بيتك منذ معرفتي بك.

الأول: تعال! وأنصت لما تقوله هذه الرسالة.

(يجلس الثاني على ركبتيه أمام الأريكة عند قدمي الأول)

الأول: أبلغك تحياتي القلبية.. وأما بعد يسرني إخبارك

الثاني: بأننا سعداء بأن تنضم لجمعيتنا التي تعنى..

الأول: اللعنة عليك! كيف عرفت مضمونها، لا بد وأنك فتحتها قبلي.

الثاني: لا.

الأول: (يقف في مكانه) اخرج من بيتي!

الثاني: اهدأ.. كل الحكاية أنك قرأت لي هذه الرسالة أكثر من ألف مرة من قبل، وحفظتها غيباً

الأول: حقاً؟

الثاني: نعم، وفي كل مرة تغضب، وتوجه لي نفس التهمة وتطردني من بيتك

الأول: إنه بيتي أنا.

الثاني: (يمسك مصنفاً موضوعاً على الطاولة) وهذه أوراق الثبوتية الخاصة بك.

الأول: أنت ذكي.

الثاني: هذا بفضلك.

الأول: لا بأس.. دعنا نعد للعبة.

الثاني: هيا...

(يجلسان على كرسيهما في وسط الخشبة).

الأول: ينبغي عليك أن تحترم قواعد اللعبة.

الثاني: أممم

الأول: أو أن تعرفها على أقل تقدير..

الثاني: سأحرك الحصان إذاً

الأول: هذا شأنك...

(يحرك الثاني حجره دون أن ينظر إلى الطاولة إطلاقاً).

الثاني: ما رأيك لو عدنا للعب الطاولة، أجدها أفضل من الشطرنج.

الأول: (وهو شارد في اللعبة) إنها لعبة بدائية..

الثاني: تقترن عندك بالمقاهي وبالهمج وبالعاطلين عن العمل وبالعجزة غير المنتجين.. إلخ.

الأول: اصمت!

الثاني: أعتقد أنها حركة حاسمة.

الأول: بالتأكيد! كل الحركات حاسمة.. العب! (يتنهد تنهيدة المنتصرين) نعم.. لقد خسرت أنت.

الثاني: (واضعاً رأسه بين يديه) بل هزمت.

الأول: (منتفضاً) اخرج من بيتي!

(ينهض الثاني من مكانه، يحني رأسه ويذهب باتجاه الباب، بينما يستمر الرجل الأول بالعبث بأحجار الشطرنج لوحده).

 

(إعتام)


* شاعر من سورية

المساهمون