اليورو بعد 20 عاماً على ولادته... عملاق تكبّله الخلافات

28 ديسمبر 2018
الصورة
اليورو أطلق بداية 1999 واستخدم بعد 3 أعوام (Getty)
+ الخط -
نجح اليورو خلال 20 عاما منذ تأسيسه في فرض نفسه كعملة قوية في الأسواق والمحفظات ونجا من أزمات كبرى، غير أنه سيبقى عملاقا مكبلا ما لم يستند إلى تضامن أوروبي متزايد.

وأطلق اليورو لأول مرة في 1 يناير/كانون الثاني 1999، كعملة افتراضية تستخدم في المحاسبة والتعاملات المالية فقط. لكنه أصبح حقيقة ملموسة للأوروبيين بعد 3 أعوام، والآن تستخدم عملته المعدنية والورقية من جانب أكثر من 340 مليون شخص في 19 دولة أوروبية.

ولم يدخل اليورو القلوب على الفور، إذ أخذ البعض عليه التسبّب في ارتفاع الأسعار. ففي ألمانيا أطلق عليه اسم "تورو"، في تحريف لكلمة ألمانية تعني غالي الثمن.

لكن سهولة السفر وإجراء الأعمال عبر الحدود دون قلق إزاء خسارة الأموال نتيجة تقلبات أسعار الصرف سرعان ما حققا له قبولا.

والآن، يحظى اليورو بشعبية كبيرة غير مسبوقة رغم تصاعد النزعات المشككة في الاتحاد الأوروبي والحركات الشعبوية في عدد من بلدان التكتل.

وفي استطلاع للمصرف المركزي الأوروبي في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، قال 74% من المواطنين الأوروبيين إنّ اليورو أفاد الاتحاد الأوروبي، فيما قال 64% منهم إنّه أفاد بلادهم.


الباحث في مركز "بروغيل للأبحاث" في بروكسل و"معهد بيترسون للاقتصاد الدولي" في واشنطن، نيكولاس فيرون، قال إن "اليورو بات راسخا لدى السكان، حتى الأحزاب المناهضة للمؤسسات أقرت بذلك".

وبات اليورو ثاني أهم عملة في العالم، إلا أنه يبقى بعيدا عن تحدي هيمنة الدولار الأميركي.

في مواجهة العواصف الكبرى

وواجه اليورو لحظة حاسمة بعدما أدت تداعيات الأزمة المالية عام 2008 إلى أزمة ديون ضخمة في منطقة اليورو بلغت ذروتها بتقديم صفقات إنقاذ لعدة دول، ما دفع التكتل النقدي إلى نقطة الانهيار وشكل اختبارا قاسيا لوحدة صفوفه.

لكن خبراء قالوا إنّ ذلك الوقت المضطرب كشف الثغرات الحقيقية لمشروع اليورو، ومن بينها افتقاره للتضامن النقدي ووجود مقرضين كملاذ أخير.

كما أبرزت الأزمة التفاوت الاقتصادي الكبير بين أعضاء منطقة اليورو، خصوصا بين الشمال الحذر ماليا والجنوب الغارق في الديون.

ويُحسب لرئيس المصرف المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، إنقاذ الاتحاد الاوروبي عام 2012 حين أرسى مبدأ أساسيا، مفاده أنّ المؤسسة التي تشرف على السياسة النقدية الأوروبية من مقرها في فرانكفورت ستقوم "بكل ما يتطلبه الأمر" للحفاظ على اليورو.

وتعهد المصرف المركزي بشراء، إذا تطلب الأمر، عدد غير محدود من السندات الحكومية من الدول المديونة. واتخذ المصرف المركزي إجراءات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة لضمان تدفق الأموال في منطقة اليورو ودرء مخاطر الانكماش.

وحدد معدلات فائدة منخفضة في شكل قياسي ومنح قروضا رخيصة لمصارف واشترى سندات حكومية وتجارية بأكثر من 2.6 تريليون يورو (3 تريليونات دولار) بين عامي 2015 و2018.

ومع اقتراب معدل التضخم في منطقة اليورو من أقل من 2%، وهو الهدف الذي حدده المصرف، اعتبرت محفزات المصرف المركزي للاقتصاد الأوروبي قصة نجاح في السياسات النقدية.

لكن مراقبين قالوا إنّ دول منطقة اليورو الـ19 لم يفعلوا ما هو كاف لتنفيذ الإصلاحات السياسية الضرورية لتهيئة المنطقة بشكل مناسب لأي انكماش في المستقبل وتحقيق تقارب اقتصادي أكبر.


موازنة الاتحاد الأوروبي

ولم يكمل أعضاء منطقة اليورو إجراءات التوصل للاتحاد المصرفي الذي طال انتظاره، وسط خلافات حول إنشاء نظام تأمين على الودائع في جميع أنحاء أوروبا.

وخفت اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باستحداث موازنة لمنطقة اليورو إلى حد كبير، إذ وافق قادة المنطقة في ديسمبر/كانون الأول فقط على النظر في صيغة مصغرة من المقترح فيما لا يزال الغموض يخيم على التفاصيل.

وسيتم التفاهم في يونيو/حزيران 2019 على أبرز مواصفات هذه الموازنة التي سيتم إدراجها في موازنة الاتحاد الأوروبي.

وتم تجاهل خطط ماكرون الطموحة بشأن استحداث وزير مالية لمنطقة اليورو أو نسخة أوروبية من صندوق النقد الدولي.

خبير الاقتصاد السابق في المصرف المركزي الفرنسي، جيل مويك، قال إن المصرف المركزي الأوروبي فعل "كل ما يمكن فعله" لدعم اليورو.

لكن المحلل فيرون يتبنى نظرة متفائلة، مشيرا إلى أنّ اليورو تمت تقويته عبر تصحيح مالية المصارف والجهود لكبح الديون العامة وإجراءات المصرف المركزي الأوروبي الاستثنائية، مؤكداً أن اليورو الآن "عملاق ذو أقدام من الطوب وليس من الطين".

ويرى الرئيس السابق لمجموعة اليورو (يوروغروب)، يورون ديسلبلوم، الذي أشرف على ملف الأزمة اليونانيّة، أن منطقة اليورو ضمانة "استقرار" بوجه تصاعد الأحزاب الشعبويّة في أوروبا.

ويعتبر ديسلبلوم الهولندي الذي ترأس اجتماعات وزراء المالية لدول منطقة اليورو الـ19 بين 2013 و2018، أن نجاح الاتحاد النقدي يكمن في قدرته على الصمود بوجه الصدمات الاقتصادية بمتانة أشد بكثير من الماضي.


(فرانس برس)

المساهمون