اليمين الأوروبي الفاشي: إلى السلاح (1/4)

17 يوليو 2019
الصورة
مسيرة للنازيين الجدد في شرق ألمانيا (سيباستيان فيلنوف/فرانس برس)
يرفض بعض صناع الحاضر السياسي الأوروبي الاتعاظ من دروس أسلافهم وتاريخهم. فاشيو ألمانيا وإيطاليا اليوم على وجه التحديد، من تلاميذ النازية والفاشية، يسيرون في طريق خالَ العالم يوماً ما أنه أغلق إلى الأبد، طريق العسكرة ونداءات "إلى السلاح". بتشجيع أو دعم أو رعاية أو تأييد من إدارة روسية تريد إسقاط الحلف الأطلسي والوحدة الأوروبية وقيم الليبرالية والانفتاح، يكبر خطر اليمين المتطرف، بصنفيه: الشعبوي، والفاشي. وبإلهام من عشرات الحكام الفاشيين والعنصريين الذين باتوا يقبضون على السلطة فعلاً في قارات الأرض، يتقدمهم ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يزداد التحدي أمام أوروبا لوضع حد لاتساع الحركات الفاشية واتجاهها، رويداً رويداً نحو العنف، قبل أن يكون الأوان قد فات.  

ربما لا يكون مجرد صدفة أن أكثر بلدين أوروبيين يشهدان حالياً ظواهر تسلح مقلقة للفاشيين، على أنواعهم، هما ألمانيا وإيطاليا، مسقط رأس نازية القرن العشرين وفاشستيته. فكيف تنتقل حركات اليمين المتطرف من عالم "الدعوة" و"الفكرة"، إلى حيّز "العمل"، أو العنف والإرهاب والتسلح، برعاية أو دعم أو تشجيع، مادي تسليحي إعلامي سياسي، من بلد كروسيا؟ 

كان لافتاً إعلان الشرطة الإيطالية، يوم الإثنين، توقيف 3 أشخاص في مدينة تورينو الشمالية، من بينهم فابيو دل بيرغيولو، المرتبط بحزب "فورزا نوفا" اليميني المتطرف وترشح باسمه إلى مجلس الشيوخ الإيطالي عام 2001، من دون أن ينجح، فضلاً عن الإيطالي فابيو برناردي والسويسري، أليساندرو مونتي. اللافت أنه عُثر على مجموعة كبيرة من الأسلحة الأوتوماتيكية وصاروخ ومواد تحمل رموزاً نازية. وذكرت شرطة تورينو أن "عملية ضبط الخلية نتجت عن تحقيق سابق حول إيطاليين (لم تحدد هويتهم) شاركوا في التمرد المدعوم من روسيا شرق أوكرانيا". ولفتت إلى أنها "أوقفت الرجلين الآخرين بعد أن عثرت على صاروخ فرنسي الصنع كان من الواضح أنهما كانا يخططان لبيعه". وتعزّز عملية الاعتقال المخاوف من نموّ الخلايا اليمينية المتطرفة عنفياً، كما حصل في وقتٍ قريب، مع مقتل رئيس المجلس المحلي لمدينة كاسل الألمانية فالتر لوبكه، في 2 يونيو/حزيران الماضي، على يد أحد النازيين. وقد سلّطت الجريمة الضوء مجدداً على واقع أوروبي، يراه اليسار والأمنيون "مظلماً وسرياً"، وينمو في كواليس وأقبية ما تحت السطح الديمقراطي الأوروبي. وبدأت المراكز البحثية والصحافة تنبش بكثير من القلق ما يجري في بيئة الجماعات الفاشية الأوروبية وقدراتها، وإن كانت في ألمانيا ودول الشمال يُطلق عليها "النازيون الجدد"، فيما هؤلاء يرون أنفسهم "وطنيين" يدافعون عن مجتمعاتهم بوجه قوى تخرب، بنظرهم، أوروبا "النقية عرقياً". وتعززت المخاوف مع تقدير جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني "بي أف في" وجود نحو 24 ألف عضو في الحركة النازية الجديدة، بمختلف مسمياتها، ومن بين هؤلاء حوالي 12700 عضو "مستعدّ لاستخدام العنف ضد الدولة". وتأتي هذه التقديرات بعد تزايد مخاوف الساسة الألمان من حقبة عنف قومي متطرف تستهدف آلاف الأشخاص الذين تسربت أسماء 25 ألفاً منهم من جهاز الشرطة، ما يعيد السجال حول اختراقات الحركة النازية لهذا الجهاز.

وإذا كانت الأنظار خلال الأيام التالية لـ"جريمة الاغتيال السياسي"، كما وصفتها الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام الألمانية، ركزت على الحالة الصحية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فإن هذه الأخيرة مع رئيس الدولة، فرانك فالتر شتاينماير، أكثر من يُدرك، مع ساسة آخرين، مسنودين بتقارير مؤسسات البلد، ومنها الأمنية، حجم المأزق الذي تعيشه ألمانيا، وربما دول أوروبية أخرى، في تغلغل هذه النازية، وحتى أمنياً وعسكرياً. بالإضافة إلى تمدد قوى تؤمن بالعنف السياسي، أو كما يوصف أحياناً "إرهاب اليمين المتطرف"، وبتنسيق يخيف المستويين الأمني والسياسي، الحزبي والحاكم.

الرسالة التي أقلقت ميركل، وساسة ألماناً وأوروبيين، في الربط بين استهداف سياسي مثل لوبكه، وهو من حزبها "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، ومواقفه من قضايا اللجوء؛ وبالأخص منذ ما سمي أزمة اللجوء في 2015، وهو الذي اعتبر أن "القيم المسيحية دفعته إلى انتهاج سياسة مساعدة الناس الذين هم بحاجة للعون"، وهي رسالة موجهة لمعسكرات السياسة التقليدية في عموم القارة.

ألمانيا، التي ينظر إليها تقليدياً كقائدة لقاطرة الاتحاد الأوروبي، ومن حركات التطرف كموئل أيديولوجي، ليس بجديد عليها إرهاب وعنف سياسي يميني متطرف كالذي طاول فالتر لوبكه. فإذا كانت قضية عنف اليسار انتهت إلى غير رجعة بتفكك "ألوية الجيش الأحمر" أو مجموعات منظمة "بادر- ماينهوف"، واستمرار مطاردة ثلاثة من المطلوبين، فقد شهد البلد اعتداءات بالقتل والقنابل من حركة إرهابية يمينية مثل "الحركة الاشتراكية الوطنية تحت الأرض"، المعروفة اختصاراً في ألمانيا بـ"أن أس يو"، التي قتلت 9 من المهاجرين وشرطياً، بين عامي 2000 و2007. أمر يعزز القلق من أن تكون ألمانيا، وغيرها، اليوم، أمام حالة "استلهام"، وفق ما يقول خبراء هذه الحركات في الصحافة الألمانية والأوروبية، وبأن ما يواجهه الأمن وخبراء الشبكات الإرهابية اليمينية "حالة جديدة من شبكات نشأت في السنوات الأخيرة".

القلق من طبيعة الجريمة، باغتيال عن قرب بطلقات في الرأس، فيما الرجل كان يجلس على شرفة بيته، أنها استهدفت هذه المرة ما يمكن تسميته "رئيس وزراء" في كاسل الألمانية، في أول عملية اغتيال لأرفع مسؤول سياسي في بلد ديمقراطي منذ عقود.
وكان جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني "بي أف في" قد عبّر في تقارير رسمية سابقة للاغتيال الأخير، عن قلقه من زيادة مسؤولية اليمين المتطرف عن "العنف السياسي". وربطاً بسياسة استقبال ألمانيا في 2015 نحو مليون مهاجر/طالب لجوء، لحظت التقارير الأمنية علاقة بين الهجمات التي استهدفت معسكرات اللجوء مثلاً، والبيئة المتطرفة خلال العام التالي لفتح الحدود في خريف ذلك العام.

وذهب تقرير الجهاز الأمني في يوليو/تموز 2017، أثناء ترؤسه سابقاً من قبل هانس غيورغ ماسن، إلى تحذيره من "خلايا إرهابية" و"عمليات فردية" استناداً إلى الفكر النازي. وحمّل التقرير البيئة اليمينية المتطرفة مسؤولية 1600 هجوم في عام 2016 لوحده، ونحو 23 ألف جريمة على خلفية سياسية. وتحدث التقرير عن زيادة الجرائم بنسبة 16 في المائة. وعلى الرغم من أن قضية العنف السياسي اليميني المتطرف ليست جديدة في ألمانيا، إلا أن الملاحظ خلال السنوات الأخيرة هو كثرة التسميات، وإن كانت تحت مظلة جامعة وتنسيق كبير، في ظلّ التوسع والجرأة في طرح ومناقشة أيديولوجيتها مع الناس في الشارع ونسج علاقات بقوى سياسية، وهنا يدور الحديث عن "حزب البديل لأجل ألمانيا" الذي أصبح ممثلاً بنواب في البرلمان الفدرالي.

في السياق، كشفت أحداث وتظاهرات كيمنتس في العام الماضي 2018 عن أن بعض المجموعات النازية ما تزال نشطة، رغم حظرها قانونياً. على سبيل المثال، بيّنت تفاصيل "تنسيق التحركات" عبر ما يسمى "ثورة كيمنتس" و"الذئاب البيضاء"، كيف أن المجموعة النازية القديمة "كومباكت 18" (تأسست 1991) استعادت نشاطها بتنسيق مع مجموعات أخرى. آخذين بالاعتبار أن المجموعة لا تقل عنفاً ونازية عن المجموعات الأخرى. فالرقم 18 في اسمها يأخذ الحرف الأول في التسلسل الأبجدي الأجنبي "أ" ورقم 8 هو كناية عن حرف "أتش" للإشارة إلى أنها مجموعة لأدولف هتلر.

وعادت هذه المجموعة للعمل منذ عام 2012، بعد حظرها رسمياً في عام 2000. وتقدّر التقارير المعنية بالتطرف النازي في أوروبا توسع العلاقة بينها وبين عدد من المجموعات الأوروبية، بما فيها الدنماركية من خلال مجموعة عنفية تسمى "الدم والشرف" والأخرى التي تؤمن بما يسمى "حرب الأعراق". وينشط هؤلاء في جمع التبرعات "تحضيراً" للمعركة في أوروبا. وصل توسّع المجموعة إلى إقامة فروع لها حتى في اليونان بمسمى "كومباكت 18 هالاس"، ما دفع الشرطة اليونانية في مارس/آذار 2018 إلى اعتقال 7 من النازيين الجدد، بعد 30 هجوماً عنفياً وجرح عشرات الأشخاص.

وتتزايد قوة المجموعة "كومباكت 18" في ألمانيا، مع غيرها من المجموعات المتطرفة، وتتوسّع في التنسيق مع النازيين والفاشيين الآخرين. وفي عام 2016، حضر نحو 5 آلاف شخص احتفالاً نازياً أقامته المجموعة في سويسرا. وفي العام التالي، أي 2017، أقامت المجموعة احتفالاً في ولاية ثورينغن بشرق ألمانيا حضره نحو 6 آلاف شخص، وبحضور "ضيوف من أوروبا". وهو ما أعادت فعله في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مع تركيز الاحتفال الجديد على العداء للمهاجرين والأعراق الأخرى، رغم محاولة مجموعات يسارية مجابهته ومنعه. وتفيد تقديرات متخصصة بعمل المجموعات النازية والفاشية بأن مثل تلك الاحتفالات، التي تحضرها فرق موسيقية تؤمن بتفوق العرق الأبيض، وتقام لجمع التبرعات تحضيراً لما يسمى "البنية التحتية" و"التسلح".
بالعودة إلى ما سببته عملية الاغتيال، بالقرب من كاسل، من قلق لدى المستشارة ميركل ومؤسسة الحكم الألمانية، فإن القضية هذه المرة أخطر مما يظهر فوق سطح الديمقراطية الألمانية. فقد كشف تسريب من داخل جهاز الاستخبارات الداخلية "بي أف في" في أواخر يونيو/حزيران الماضي، عن شكوك ومخاوف من وجود "لائحة قتل/موت" تشمل نحو 25 ألف اسم وعنوان، وازدياد عمليات التسلح في صفوف النازيين الجدد.

الجهاز الأمني، وفقاً للتسريب، الذي تعاملت معه الصحافة ووسائل الإعلام بجدية، كشف أن مجموعة "صليب الشمال"، التي يُعتقد أنها باتت مظلة تنسيقية للمجموعات النازية، حصلت بتسريب من أجهزة كومبيوتر الشرطة على آلاف الأسماء والعناوين، والتي تضم سياسيين ونشطاء ومن يسمون "أصدقاء المهاجرين". ويصنّف هؤلاء جميعاً في المخطط "أعداء الشعب". أمر يعيد السجال مرة أخرى عن اختراق النازيين والعنصريين للجهازين الشرطي والعسكري في ألمانيا، وهذه المرة رآها الساسة والصحافة أخطر من مجرد استهداف فردي لشخص هنا وشخص هناك.

فعلى الرغم من أن الشرطة والجيش الألمانيين سرّحا عشرات الأشخاص من "الاحتياط" منذ 2010، ممن تدور شكوك حول ولائهم لأطراف ومجموعات متطرفة، إلا أن الكشف فضح وجود ما يشبه المخطط وبمشاركة من أمنيين وعسكريين، سابقين واحتياط، يملكون رخص سلاح و"هواية صيد ورماية"، على ما ذهبت بعض الصحافة الألمانية في كشفه، كما ذهبت "سوددوتشه" منذ مطلع العام الحالي، وهو ما يعيد المخاوف بعد تنفيذ الاغتيال الأخير الذي طاول فالتر لوكه إلى مستوى مختلف عن السابق.

وكانت صحيفة "فرانكفورتر ألغيماينه" كشفت في تقرير موسع لها في منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، عن بعض تلك الارتباطات بين بعض العسكر والنازيين الجدد. ولم تتوقف في وسائل الإعلام الألمانية خلال الأشهر الماضية من العام الحالي، تقارير فضائح علاقة بعض العسكر بالنازيين والمتطرفين. وهو أمر تشير إليه الصحافة المحلية بكثير من القلق على الوضع الألماني الداخلي، خصوصاً التي تتحدث عن وجود "جيش ظل"، وهو ما برز في ديسمبر الماضي في وسائل الإعلام الألمانية، التي تعاطت معه بجدية كـ"دير شبيغل"، رغم المحاولات السياسية الرسمية للتخفيف من وطأة التقارير في تصريحاتهم السابقة.

بالعودة إلى الحديث عن وجود لائحة قتل تضم آلاف الأسماء المسربة، يأتي ضمن ما كشفت عنه الصحافة، وجود خطة نازية لـ "تجهيز المشهد" لأجل "اليوم أكس". ما يعيد النقاش إلى القضية التي لا تزال السلطات الألمانية تحقق فيها، حول وجود رجال ونساء في الخدمة، ومن خارجها، يتجهزون لسيناريو الأزمة أو "انهيار نظام الدولة" ولو باستخدام السلاح. وباتت تضم مجموعات كثيرة ومنها "الاتجاه الثالث" الذي بدأ يظهر في الشارع بألمانيا الشرقية بداية من يوليو/تموز الحالي.

في السياق كشفت العديد من وسائل الإعلام الألمانية، في أواخر يونيو الماضي، عن تسريبات من جهاز الاستخبارات الداخلية، بأن "البيئة النازية في الشرق الألماني، وخصوصا في مقاطعتي ميكلينبورغ وبراندنبورغ، قطعت شوطا طويلاً في التخطيط لهجمات على مئات المعارضين السياسيين، مثل اليساريين وساسة محليين متعاطفين مع المهاجرين ومعارضين للمجموعات العنصرية". ووفقاً لما تسرب من جهاز الاستخبارات الألماني، فإن تلك المجموعة النازية النشطة على الشبكة الإلكترونية المسماة "صليب الشمال" (نوردكروز)، تشكّل مظلة الآن للمجموعات النازية، وتتحضر لعمليات استهداف واغتيال كما "قامت بشراء نحو 200 كيس جثث ومواد تحليل للجثث". وذلك إلى جانب اكتشاف سابق لسرقة كمية من الذخائر والأسلحة الرسمية، ووجود علاقة بين لائحة القتل التي كشف عنها بعد التحقيق بقتل فالتر لوبكه وعناصر في بيئة الشرطة والجيش. واعترفت الشرطة الألمانية وفقاً لـ"زايت أونلاين" في 24 يونيو الماضي بوجود علاقة بين بعض رجال الشرطة وحزب "البديل لأجل ألمانيا" اليميني المتطرف. والأخير متهم أيضا، على الأقل على مستوى قياداته العليا، بعلاقته ببيئة اليمين المتطرف.
(غداً: دور الأيديولوجيا في التحشيد للأهداف)


تعليق: