اليمن.. لماذا سقطت حجُور؟

12 مارس 2019
الصورة
يمكن القول الآن إن الحوثيين في اليمن، بعد سبع سنوات من إخفاقهم في إيجاد موطئ قدم راسخة في حجُور في محافظة حجّة (شمال)، تمكّنوا من ذلك، وبخمسين يوما من المواجهات المسلحة مع مقاتلين قبليين مناوئين لهم، تمركزوا في منطقة العبَّيسة في مديرية كُشَر التابعة للمنطقة الأوسع، حجُور، ولم يعد هناك ما يخشونه من أي تهديد منها؛ فالمسألة، الآن، تتعلق بما سيُبادرون به، بعد أن احتلوا الوادي والجبل.
مثلت حجور مصدر تهديد محتمل للحوثيين طوال السنوات السبع الماضية، بوصفها منطقة مناوئة لهم، وسط جغرافيا زيدية تواليهم، مذهبياً وإثنياً، مع ما تمثله حجور من قيمة عسكرية في الاستراتيجية الدفاعية الحوثية التي تتيح التصدّي لتقدم المقاتلين المتطوعين تحت غطاء "الجيش الوطني"، في مديرية حيران (في حجّة)، والقوات السعودية التي تحارب مع مقاتلين، من الصفة نفسها، في بعض مديريات صعدة، شمال غرب البلاد.
تحدد الإجابة على السؤال المطروح في عنوان المقال رؤيتين نقيضتين: الحوثية تجاه المنطقة، وقد سبق الإشارة إلى ذلك، ورؤية التحالف، خصوصا السعودية، إزاء طبيعة القتال واتجاهه، في مناطق شمال الشمال اليمني، الذي زادت ضراوته مع توقف العمليات في الساحل الغربي، عقب المفاوضات التي رعتها الأمم المتحدة بين الأطراف اليمنية، في استوكهولم في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2018.
بطبيعة الحال، لا مجال، هنا للحديث عن رؤية ثالثة للسلطة الشرعية اليمنية، يتزّعمها الرئيس عبد ربه منصور هادي؛ ففي ذلك تجاوز للواقع؛ إذ إنها باتت سلطة موجَّهة من التحالف، لا موجِّهةً لأي من الأحداث الدائرة في اليمن، وليس من دليل أوضح على ذلك، من بقائها في الرياض أربع سنوات، على الرغم من خلو ما تسمى "المناطق المحرّرة" من أي وجود حوثي.
لم تكن حجور ضمن خريطة العمليات السعودية في شمال الشمال، ولن تكون؛ لأن الهدف السعودي يرمي إلى تحقيق نصر تاريخي، وسياسي، وعسكري، في جغرافية صعدة التي تمثل مصدر التهديد الجغرافي والبشري للرياض، طوال الثمانية عقود من عمُر الدولة السعودية المعاصرة، ثم تحدّد القيادة السعودية رسم حدودها الآمنة في هذه المنطقة، بموجب أي صيغةٍ 
تمليها، فيما بعد، متغيرات الأحداث والمصالح، ومع أي طرف.
قد يتساءل بعضهم: بماذا تفسَّر عمليات طائرات التحالف، التي يتداولها إعلامه وناشطوه، من أنها تستهدف المقاتلين الحوثيين، وتمد مقاتلي قبائل حجور بالأسلحة والمؤن؟ بكل بساطة، لم تكن هذه العمليات سوى ذر رمادٍ على عيون البسطاء، بل إن ضربات طائرات التحالف التي قيل إنها تستهدف الحوثيين، إنما استهدفت، في الحقيقة، مواطنين أبرياء، ثم ذهب بعضهم إلى التستر على هذا الرماد، وتحميل الحوثيين أوجاعه ومآسيه؛ بأنهم يطلقون صواريخ باليستية على المنطقة. وتذكرنا هذه العمليات بدور الطيران الحربي اليمني، في أثناء اقتحام الحوثيين مدينة عمران عام 2014؛ حيث كان، مع كل طلعة، يلقي ذخائره في مناطق نائية، خلافا للمهمة التي كلف بها، وربما هي المهمة ذاتها.
ضاعفت هجمات طائرات التحالف من غضب السكان، حين وجدوا أن ما يجري على الأرض والسماء لا يدعم المقاتلين القبليين، بقدر ما يعين الحوثيين عليهم، ويثير السخط تجاههم، بعد أن جلبوا للمنطقة الويلات، بإعراضهم عن دروس معارك نهم، وصرواح، التي تشابه معركة حجور، شكلا ومضمونا.
من ناحية أخرى، ثمّة أسباب تفسر سقوط حجور، لكنها تنظر إليها من خلال بعد زمني، فانتهاء المعركة خلال أقل من شهرين لا يجعلها تتطابق، تماما، مع وضع جبهتي نهم وصرواح، ولعل هذه النهاية تقف وراءها الصراعات الحزبية، والمحتوى الديني (المذهبي) الذي يتخلل هذه الصراعات، فقادة المقاومة، ومقاتلوهم الذين واجهوا الحوثيين، طيف من الولاءات المذهبية، بين زيدي وسلفي، وولاءات حزبية أشد تناقضا، يتصدّرها الاشتراكيون، فالمؤتمريون، ثم الإصلاحيون، بل إن جانبا من هذا الطيف، كان إلى قبل أحداث 2 ديسمبر/ كانون الأول 2018، يقاتل، أو يحشد المقاتلين، مع جماعة أنصار الله (الحوثيين) تحت واجهة محاربة "العدوان السعودي- الإماراتي"، ثم ما لبث هذا العدوان أن تحوّل إلى صديق لدود لبعض مكونات هذا الطيف!
لا تتعلق المسألة، إذن، بموقف التحالف، وإن كان ذلك الأساس، ولا بموقف السلطة الشرعية "الموجَّهة"، ولا بموقف الأحزاب متنافرة الرؤى، والمثقلة بأعباء الماضي فحسب، بل بثبات المبادئ، ووضوح المشروع. والواقع أن هذا الأمر لا ينطبق على حجور وحدها، بل يطاول مختلف مناطق المواجهات.
تعليق: