اليمن بعد صالح: أسئلة اليوم التالي

صنعاء
العربي الجديد
06 ديسمبر 2017
+ الخط -


في اليوم التالي لمقتل علي عبدالله صالح، الرجل القوي لعقود في اليمن، وتحوّل الحوثيين إلى المتحكم الوحيد بمركز الدولة اليمنية صنعاء، بدأت تساؤلات تُطرح عن طبيعة السيناريوهات المرتقبة في المرحلة المقبلة، خصوصاً موقف حزب "المؤتمر الشعبي" التابع لصالح، ومصير التحرك الذي أعلن عنه الرئيس عبدربه منصور هادي بالزحف نحو صنعاء، إضافة إلى كيفية تعاطي التحالف بقيادة السعودية مع هذه التطورات.

وسيطر الهدوء الحذر على أغلب مناطق صنعاء أمس، إلا من غارات جوية عنيفة، وانتشار مكثف لمسلحي جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) وسط أنباء عن اعتقالات. وأكد شهود عيان لـ"العربي الجديد"، أنه على الرغم من توقف إطلاق النار، إلى حد كبير، في الأحياء التي كانت ساحة لمواجهات عنيفة، إلا أن انتشار الحوثيين استمر بكثافة في مختلف أحياء العاصمة، وخصوصاً في المناطق التي شهدت اشتباكات في الأيام الماضية، وسط أنباء عن اعتقالات شرعت فيها الجماعة، لقيادات وكوادر في حزب "المؤتمر"، على الرغم من نفي ذلك من قبل قيادات في الحوثيين. وفي هذا السياق، نشرت القيادية في حزب "المؤتمر"، حنان حسين، بيان نعي، كشفت فيه عن أن طارق محمد عبدالله صالح (نجل شقيق صالح)، قُتل أثناء المواجهة مع ما وصفتها بـ"مليشيات الغدر"، موضحة أن طارق صالح قُتل قبل عمه، علي عبدالله صالح، الذي أدى "الصلاة" على جثمان طارق. كما أشارت إلى أن محمد، شقيق طارق، والذي كان يقود إحدى كتائب الحراسة الخاصة، أُصيب بشظية ناتجة عن سقوط صاروخ، وأنه نقل إلى "المستشفى الألماني" ومعه ضابط آخر، قائلة إن الاثنين جرى اختطافهما من المستشفى من قبل قيادي حوثي. وذكرت أن وزير الداخلية في حكومة الانقلابيين، محمد عبدالله القوسي، والذي كان أحد المقربين من صالح، ومعه صلاح (أحد أبناء صالح)، لا يزال مصيرهما مجهولاً، فيما مدين أحد أبناء صالح، تم أسره من قبل الحوثيين. جاء ذلك، فيما أعلن رئيس ما يُسمى بـ"اللجنة الثورية العليا"، محمد علي الحوثي، خلال مسيرة نظمها الحوثيون في صنعاء، أن "بعض أبناء صالح موجودون في المستشفى ونعمل لمعالجتهم ولم نذهب لاعتقالهم".

وبعد يوم من مقتل صالح، بدا واضحاً أن الحوثيين، وبعد أن تخلصوا من أهم عقبة في طريق تفردهم بالسيطرة، اتجهوا نحو تشديد القبضة الأمنية على العاصمة، بعدما كانوا يدعون منذ أشهر إلى "إعلان حالة طوارئ"، وأظهروا حالة من الاحتفال العلني، بمقتل صالح، أو ما وصفوه بـ"إخماد الفتنة"، من خلال دعوة أنصارهم إلى التظاهر في شارع المطار، القريب من مطار صنعاء الدولي، عصر أمس الثلاثاء.

من جهة أخرى، شرع الحوثيون بالتواصل مع قيادات حزب صالح، "المؤتمر الشعبي"، وإبراز أن ما جرى لم ينهِ الشراكة أو التحالف بين الجماعة والحزب، بقدر ما تمت "معاقبة صالح"، الذي اتهموه بالتنسيق مع الإمارات والسعودية لـ"إشعال فتنة"، وهو ما يعني أن الجماعة تسعى لإبقاء حزب صالح شريكاً لها، ولو كمسمى دون قرار فعلي.
وفي السياق نفسه، صدرت بيانات باسم قيادة حزب "المؤتمر"، نُشرت على موقعه الرسمي، بنعي صالح والأمين العام للحزب، عارف الزوكا، لكن مضمون البيانين، كان واضحاً أنهما صيغا، بمراجعة وتحت ضغط الحوثيين، إذ لم يصفا أيّاً منهما بـ"الشهيد" كما هو وصف العديد من القيادات في حزب "المؤتمر" وحتى تلك التي انشقت عن صالح، وحتى مستوى بيان الرئيس عبدربه منصور هادي. كما لم يتطرق بيان نعي صالح، إلى ما يشيد به، أو ما يشير إلى أنه قُتل على أيدي الحوثيين، بقدر ما قال إنه قضى في "الأحداث المؤسفة". كما لم يذكر البيان اسم القيادة التي اجتمعت لتصدر بيان النعي، وكل ذلك، يشير إلى أن ما تبقى من الحزب، وما يصدر عن قياداته، يتم تحت ضغط الحوثيين.

ولم تتأخر طهران في دعم الحوثيين، إذ أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أن اليمنيين سيجعلون "المعتدين" يندمون على أفعالهم، في خطاب بثه التلفزيون الرسمي أمس. وقال روحاني إن "اليمن سيحرر من أيدي المعتدين وشعب اليمن المخلص سيجعل المعتدين يندمون" على ما فعلوه. من جهته، ندد قائد الحرس الثوري الايراني، اللواء محمد علي جعفري، بـ"النظام السعودي الخائن الذي دخل في صراع مع الدول المسلمة الأخرى في المنطقة، بهدف زعزعة الأمن وهو يثير التفرقة بين المسلمين بأوامر أميركا وإسناد الكيان الصهيوني". وتابع جعفري أن السعوديين "كانوا بصدد تنفيذ انقلاب ضد المجاهدين وأنصار الله، وقد أحبطت هذه المؤامرة في المهد".


في المقابل، وعلى صعيد الشرعية والتحالف بقيادة السعودية، والذي جعلت أحداث الأيام الأخيرة، من صالح، فقيده الأساسي، كان الرد الأبرز خلال الـ48 ساعة على الأقل، هو تكثيف الضربات الجوية، إذ جرى قصف "القصر الجمهوري" الواقع وسط صنعاء، والذي يُستخدم مقراً لما يُسمى بـ"المجلس السياسي الأعلى" (سلطة الأمر الواقع العليا التابعة للحوثيين)، بما يقرب من تسع غارات. كما كثّف التحالف ضرباته الجوية، وقصف منازل تابعة لصالح سيطر عليها الحوثيون. ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة مزيداً من التصعيد، بناءً على دعوة التحالف للمدنيين اليمنيين بالابتعاد 50 متراً عن مقرات الحوثيين.

وعلى صعيد الشرعية، فإن تحركها ليس مفصولاً عما تقره أو تدعمه السعودية، إذ وجه الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، قوات الجيش الموالية للشرعية بإطلاق عملية "صنعاء العروبة"، وفتح جبهات قتال جديدة، للزحف نحو صنعاء. إلا أنه وخلال ما يزيد عن 48 ساعة ماضية، لم يتم الإعلان عن انطلاق تحرك فعلي على الأرض، باستثناء حضور نائب الرئيس اليمني علي محسن الأحمر، والذي تواليه أغلب قوات الجيش الشرعية شمالاً، إلى محافظة مأرب، حيث تجري تحضيرات للتصعيد العسكري نحو صنعاء، تنفيذاً لتوجيهات هادي.

في غضون ذلك، برز مسار آخر، يبدو أن الرياض تدفع نحوه لجمع خصوم الحوثيين، من خلال دعم أحمد علي عبدالله صالح (النجل الأكبر لصالح)، والمتواجد في الإمارات، إذ بثت وسائل إعلام سعودية، تصريحات منسوبة إلى أحمد صالح، تعهّد خلالها بمواجهة "أتباع إيران"، الذين اغتالوا والده، حتى "آخر حوثي"، على الرغم من أن البيان الذي خرج عنه لاحقاً، ونشره بعض المحسوبين على حزب "المؤتمر"، لم يشر إلى إيران أو الحوثيين بالاسم، بقدر ما قال إن والده قُتل على يد "أعداء الله والوطن والدين"، وتعهده بمواجهة الحوثيين ضمناً قائلاً "أعاهد الله واليمنيين أننا سنكون معكم في خندقٍ واحدٍ دفاعاً عن النظام الجمهوري ومكتسباته الخالدة".

وبدا واضحاً من خلال تناول وسائل الإعلام السعودية لهذا الحدث، والتصريحات التي نسبتها إلى نجل صالح، وكذلك البيانات الصادرة عن الحكومة الشرعية، بما فيها بيان النعي عن هادي، أن السعودية تسعى لضم أنصار صالح، كحليف رسمي لها في صف "الشرعية"، بمواجهة الحوثيين، الأمر الذي يأتي كنتيجة طبيعية لإعلان حزب "المؤتمر" منذ أيام، الدعوة للتحرك ضد الحوثيين، ثم حملة الجماعة العسكرية على منازل صالح وأقاربه بما أدى إلى مقتله.

وفي أول تعليق لها بعد مقتل صالح، قال مجلس الوزراء السعودي الذي انعقد أمس، إن السعودية تأمل في "أن تسهم انتفاضة أبناء الشعب اليمني ضد المليشيات الحوثية الطائفية الإرهابية المدعومة من إيران، في تخليص اليمن الشقيق من التنكيل والتهديد بالقتل والإقصاء والتفجيرات والاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة"، من دون ذكر مقتل صالح.

وبناء على ما سبق، يبدو أن الحوثيين قد كسبوا بالقضاء على صالح والاستيلاء على ما تبقى من نفوذه في مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية، إذ باتوا المتحكم الوحيد بالعاصمة. لكنهم في المقابل، أصبحوا وحيدين في المعركة مع السعودية والقوى الموالية للشرعية، فالحليف القوي، حزب "المؤتمر"، الذي كان العديد من اليمنيين يرون أن لولاه ما سيطر الحوثيون على العاصمة، بات غالبية أنصاره، ضد الجماعة وسلطتها، وبالتالي كسب التحالف حلفاء جدداً سواء تمكنوا من القيام بدور ضد الحوثيين، أو استمروا تحت سيطرتهم، ولكن تأييدهم للجماعة يعد أمراً مشكوكاً فيه في كل الأحوال. وتبقى تطورات الأيام والأسابيع المقبلة، وحدها كفيلة بإظهار الخطوات التي سيشرع فيها كل طرف ليرسم معالم مرحلة يمن ما بعد الرجل المؤثر الأول في البلاد، على مدى عقود.

ذات صلة

الصورة
ميناء جابهار في إيران (الأناضول)

اقتصاد

تزايدت الدعوات الهندية والإيرانية إلى الإسراع في تنفيذ ممر جابهار الإيراني لنقل البضائع الهندية إلى البحر الأسود عبر السكك الحديدية مرورا بالميناء، بدلا من قناة السويس التي واجهت أزمة جنوح سفينة ضخمة عطلت شريان التجارة العالمية الأسبوع الماضي.
الصورة
يوم الأم في اليمن

مجتمع

يستقبل اليمنيون عيد الأم بأيد فارغة من أية إمكانيات للاحتفال أو حتى توفير أبسط الهدايا، وابتسامة باهتة، لكن كثيرين رغم ذلك حريصون على الاحتفاء بالأمهات، ولو بأبسط الوسائل، والهدايا الرمزية، وبينها الزهور.
الصورة

سياسة

اعتبر مجلس سلامة النقل الكندي، الخميس، أنّ التقرير الإيراني النهائي حول إسقاط طائرة "بوينغ" الأوكرانيّة، في 8 يناير/ كانون الثاني 2020، يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات حول المأساة.
الصورة
اليمني، عبده علي الحرازي

منوعات وميديا

يعيش اليمني، عبده علي الحرازي، مع أسرته في حي الخمسين بالعاصمة اليمنية صنعاء، ويتعاش من الثعابين وهي مصدر دخله الوحيد منذ خمسة وعشرين عاماً، حيث اكتسب مهارة التعامل معها وباتت مصدر دخل يعيل بها أسرته.

المساهمون