اليمنيّون والدستور: غنى في "الإنتاج"... سوء في التطبيق

اليمنيّون والدستور: غنى في "الإنتاج"... سوء في التطبيق

09 مارس 2014
الصورة
تفكير اليمنيين بتعديل دستورهم ‏يفوق تفكيرهم في تطبيقه
+ الخط -

في حين شهدت مصر، أكبر الدول العربيّة، 6 دساتير في قرنين، أصدر اليمنيون، الذين لم ‏يعرفوا لفظة "الدستور" إلا في أربعينيات القرن الماضي، نحو 74 وثيقة ‏دستورية بدءاً بالميثاق الوطني المقدس 1948، وحتى وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار ‏الوطني الشامل 2014.
وآخر المستجدات اليمنية في شأن الدستور، إصدار الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، السبت، قراراً بتشكيل لجنة صياغة دستور ‏جديد. ما هي قصة اليمنيين مع الدستور؟ وهل ستكون هذه هي المرة الأخيرة التي ‏يصوغ فيها اليمنيون دستوراً جديداً؟

رجل خبيث يسعى لتغيير القرآن

كان السعي نحو الاحتكام للدستور سبباً في قيام أول ثورة ضد الحكم الإمامي ‏شمال اليمن العام 1948، عرفت بـ"ثورة الدستور". وبسبب الجهل الذي كرّسه نظام الإمامة لدى ‏اليمنيين، لم تجد الثورة طريقها إلى النجاح. ووفقاً للكاتب حميد شحرة، في كتابه "مصرع ‏الابتسامة"، راح الإمام يشوّه صورة الدستور، ويشيع بين الناس أن الدستور هو ‏‏"رجل خبيث يمشي هو وزوجته من قرية لأخرى بغرض تغيير القرآن".
في جنوب البلاد، الذي كان خاضعاً لحكم المستعمر البريطاني، قام الانكليز في العام 1959، ‏بإنشاء اتحاد إمارات الجنوب العربي، ووضعوا له دستوراً اتحادياً، علاوة على الدستور ‏الخاص بكل إمارة وسلطنة، إلى أن تم الجلاء في العام 1967، ليشهد اليمن ولادة أول دستور ‏لجمهورية اليمن الجنوبي، بالتزامن مع شروع جمهورية اليمن الشمالي بإقرار أول دستور، ‏بعد تأخره لسنوات بسبب المواجهة بين الملكيين، المدعومين من السعودية، والجمهوريين ‏المدعومين من مصر. انتهى الأمر بإقرار الدستور في عام 1970 بعد انسحاب القوات المصرية من اليمن، واعتراف السعودية بالجمهورية. لكن سرعان ما قامت حركة 13 يونيو/ حزيران 1974، بقيادة الرئيس ‏إبراهيم الحمدي، بتجميد الدستور الذي ظلّ الكثير من مواده، بعد ذلك، قيد ‏التعطيل لمدة 14 عاماً.‏

دستور دولة الوحدة

بعد لقاءَي القاهرة وطرابلس بين شطري اليمن (الشمالي والجنوبي) مطلع السبعينيات، شُكّلت لجنة لإعداد ‏دستور دولة الوحدة. وبسبب الحروب الشطرية واغتيال الرؤساء في صنعاء وعدن، تأخر ‏إعلان الوحدة إلى 22 مايو/ أيار 1990. وقبلها بأقل من شهر، أقر علي عبد الله صالح وعلي ‏سالم البيض دستور دولة الوحدة في 27 إبريل/ نيسان، على أن يتم الاستفتاء عليه بعد إعلان ‏الوحدة.
في مايو/ أيار من العام 1991، تمت الموافقة على دستور دولة الوحدة باستفتاء شعبي بنسبة 72.2 في المئة ‏وبنسبة مشاركة 98.3 في المئة، رغم معارضة الإسلاميين (حزب الإصلاح)، الذين قاطعوا ‏الاستفتاء اعتراضاَ على مادة "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
وكان ‏الإصلاح يريدها "المصدر الوحيد"، وهو ما تم بعد حرب 1994، التي خرج فيها شريك ‏الوحدة "الحزب الاشتراكي اليمني" من الحكم، وجرى بعد بذلك بشهرين إقرار ‏أول تعديل واسع للدستور شمل 25 مادة. وأضيفت إليه 29 مادة، ليصبح مجموع ‏مواده 159 مادة بدلاً من 131، كما تم فيه استبدال مجلس الرئاسة بمنصب رئيس ‏الجمهورية.‏

التعديلات: شرارة الحرب

قبل حرب 94، اتّفق العليان، علي صالح وعلي سالم البيض، على تعديلات سرية في الدستور، تتضمن ‏اندماج حزبيهما، المؤتمر والاشتراكي، لتسهيل دمج القوات المسلحة التابعة لهما. لكن ‏مشروع التعديلات السري تم تسريبه عبر صحيفة "الصحوة"، الناطقة بلسان حزب ‏"الإصلاح"، الأمر الذي أغضب علي سالم، فقام عقب عودته من العلاج في الولايات المتحدة باعتكافه ‏الشهير في عدن، في حين رفض الحزب الاشتراكي، في اجتماع له في غياب علي سالم، ‏التعديلات التي وافق عليها أمينه العام. وتطورت الأزمة بين شريكي الوحدة إلى أن تم ‏التوصل لـ"وثيقة العهد والاتفاق"، التي نكثها الموقعون عليها قبل أن يجف حبر التوقيع. ‏ثم وصلت الأزمة الى المواجهة العسكرية في صيف 1994، حيث أعاد صالح، بمشاركة الاصلاح والاسلاميين، فرض الوحدة بالقوة، لتكون التعديلات الدستورية بذلك من بين الاسباب الرئيسية في تدهور العلاقة بين شريكي الحكم، وإنْ لم تكن السبب الوحيد أخذاً بالاعتبار محاولات صالح الاستئثار بالحكم على حساب الجنوبيين.

تعديلات عام 2000‏
على الرغم من أن الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، وحزب "الإصلاح"، قاما بتعديل الدستور بعد حرب 94 على النحو الذي يرضيهما، ‏إلا أن صالح شرع في تعديلات جديدة بعد 6 سنوات فقط من التعديلات الأولى، وذلك‏ لتهيئة الطريق أمام توريث نجله أحمد علي. مُدّدت يومها فترة الولاية الرئاسيّة من 5 إلى 7 سنوات، ‏وفترة البرلمان من 4 إلى 6 سنوات، وجرى الاستفتاء على تعديلات عام 2000 في ‏الانتخابات البلدية 2001.‏
ولم يكد ينتهي العام 2010، إلا وبدأ حزب صالح يتحدث عن ضرورة إجراء تعديلات ‏جديدة. واتهم "المؤتمر"، حينها، بأنه يسعى لـ"تصفير" العداد الرئاسي لتطويل فترة صالح، ‏ليعلّق سلطان البركاني، القيادي المؤتمري، في حديث تلفزيوني بالقول: ليس "تصفير ‏العداد".. بل قلعه إذا تطلّب الأمر.‏
كثيرون في اليمن يوثّقون أن تصريح البركاني كان واحداً من الشرارات التي أشعلت ‏ثورة الشباب المنادية برحيل صالح في 2011، ونتج عنها خروج صالح من السلطة ‏بموجب المبادرة الخليجية التي كانت بمثابة "إعلان دستور بديل"، وتولّى نائبه عبد ربه منصور هادي ‏الرئاسة خلفاً له وعمل على عقد مؤتمر حوار استمر 10 أشهر، خرج بتوصيات لصياغة ‏دستور جديد يتغيّر معه شكل الدولة من صيغتها البسيطة إلى المركّبة: دولة اتحادية ‏بـ6 أقاليم.‏
وعلى هذا الأساس، صدر، السبت، قرار رئاسي بإنشاء لجنة لصياغة الدستور اليمني، بناءً على مخرجات الحوار، تمهيداً لعرضه على الاستفتاء بعد الانتهاء منه. وهو ما سيجعل اللجنة على الأرجح مكبّلة بما صدر عن الحوار الوطني من توصيات، ليضيق بسبب ذلك الهامش لديها في بلورة أفكار جديدة. وهو الأمر الذي جعل البعض يفضّل تسميتها بلجنة صياغة الدستور رافضاً بشكل مطلق إطلاق مسمّى لجنة إعداد الدستور عليها.

هوس الدسترة
يتّضح من مسيرة اليمنيين مع الدستور، أن اليمن لم ينعم بفترة استقرار دستوري منذ عرف ‏هذا العقد الاجتماعي طريقه إلى حياة اليمنيين، وبالتالي لم يأخذ أي دستور فرصته الكافية ‏للتطبيق. ويرى مختصون أن الإشكال الذي كان يقود اليمنيين لإعادة صوغ الدستور ليس ‏ناجماً في الأساس عن تطبيق مواده، بل على العكس. إذ يرى الدكتور عادل مجاهد الشرجبي، أن ‏الدستور الحالي "يتضمن الحد الأدنى من متطلبات الدولة الحديثة والنظام الديموقراطي، لكن ‏المشكلة أن تلك الاحكام لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وتم انتهاك الكثير من أحكام الدستور، سواء من ‏قبل الحكومة أو من قبل المجتمع".‏

أسطوانة واحدة
وبالعودة إلى المبررات المعلنة قبل أي تعديل للدستور أو إعادة صياغته، تتكرّر المبررات نفسها: السعي لإعطاء الوحدات المحلية المزيد من الصلاحيات، إزالة التداخل بين السلطات، نزع بعض سلطات الموقع الأول.
في المقابل، يتم تعزيز سلطات الموقع الأول على أرض الواقع، ثم تتكرر عقب التعديل أو ‏إعادة الصياغة مشكلة أخرى، تتمثل في إسقاط أية مدد رئاسية قبل التعديل والبدء في ‏احتساب فترة الرئاسة منذ آخر تعديل. ‏
كما يُلاحظ أن السلطة المشرفة على إعادة صياغة الدستور تحشد إمكانياتها الإعلامية ‏فلا يأتي موعد الاستفتاء إلا والنتيجة الشعبية بالموافقة على الدستور الجديد تكاد تكون ‏تحصيل حاصل.
الخبرة الأجنبية حاضرة في التجارب الدستورية اليمنية، إذ يشير رئيس ‏مركز البحوث الدستورية والقانونية في تعز، قائد محمد طربوش، إلى أن الانكليز كانوا وراء دساتير ما قبل الاستقلال في ‏جنوب اليمن، في حين كانت الخبرة المصرية حاضرة في دساتير جمهورية الشمال، والألمان أشرفوا ‏على صياغة دستور جمهورية الجنوب 1970. كما أشرف السوفيات على دستور 1978. ‏وأخيراً دخل الفرنسيون ليشرفوا على صياغة دستور 2014، في حين تكاد التجربة الدستورية ‏الوحيدة التي كانت بخبرات يمنية خالصة هي دستور دولة الوحدة المُقرّ شعبياً في 1991.‏
واستكمالاً لجملة الظواهر المصاحبة لتجارب اليمنيين الدستورية، فإن التوجهات لإعادة ‏صياغة الدستور تستجيب، في بعض الأحيان، لإشكالات آنية وتحديات مؤقتة يتم وفقها ‏صوغ تشريعات دائمة، حتى إذا زالت هذه التحديات ظهرت الحاجة إلى تعديل دستوري ‏جديد.
على أن الملاحظة الأبرز في هذا السياق، هي أن مرات تفكير اليمنيين بتعديل دستورهم ‏أو إعادة صياغته، تفوق، بما لا يقاس، مرات تفكيرهم في تطبيق الدستور ذاته.

 

المساهمون