اليسار الإسرائيليّ يتفوّق على اليمين في تأييد العدوان

26 اغسطس 2014
الصورة
قاطعت "ميرتس" تظاهرة تل أبيب لوقف العدوان على غزة(GETTY)
+ الخط -
لا يختلف الإسرائيليون في عدائهم للفلسطينيين، وفي تأييدهم للعدوان المتواصل على قطاع غزّة، والذي راح ضحيته حتى اللحظة آلاف الشهداء والجرحى، ومنهم من أُصيب بعاهة مستديمة. بل لعلّ اليسار الإسرائيلي أشدّ عداوة وحماسة للحرب من اليمين.

ويتباهى حاييم أورون، الذي كان رئيساً لحركة "ميرتس"، التي تمثل أقصى اليسار الإسرائيلي، بأن "كتيبة من المقاتلين" من أبنائه وأحفاده تقاتل الفلسطينيين في غزة، ولا يجد تناقضاً بين تبنيه لأيديولوجية اليسار وبين تشجيعه لأبنائه وأحفاده على مواصلة القتال في حرب تستهدف بشكل خاص المدنيين.

ولا يبدي أورون، الذي بلغ من العمر عتياً، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "هآرتس" قبل نحو أسبوعين، أي قدر من الندم ازاء مشاركة أبنائه وأحفاده، المنضويين في ألوية النخبة الإسرائيلية، في ارتكاب الفظائع ضدّ العزل من الفلسطينيين. ويرفض بشدّة الدعوات التي أطلقتها بعض هوامش اليسار غير الصهيوني، لرفض الخدمة في جيش الاحتلال لأسباب مرتبطة بـ "تأنيب الضمير" نتيجة جرائم الاحتلال. ويعتبر أنّ مثل هذه الدعوات تمثل "تجاوزاً للخطوط الحمراء".

وقاطعت "ميرتس" التظاهرة التي نظمتها هوامش اليسار غير الصهيوني في تل أبيب بعد بدء  الحرب للمطالبة بوقفها، وحرصت على إصدار بيانات التأييد لأهدافها المعلنة. ولا تأخذ زهافا غالؤون، زعيمة "ميرتس"، على نتنياهو إلا حقيقة أنه يتجنب الشروع في عملية سياسية تفضي في النهاية إلى تمكين السلطة الفلسطينية من الحصول على موطئ قدم في قطاع غزة. ولم يصدر عن غالؤون، التي تدعي إيمانها "المطلق بحقوق الإنسان بدون تمييز"، أي انتقاد لعمليات القتل الجماعي التي استهدفت الأطفال والنساء والشيوخ.

ما صدر عن أورون وغالؤون وزملائهما في اليسار الصهيوني خلال الحرب يمثل دليلاً آخر على تهاوي الفروق الأيدلوجية بين اليسار واليمين الصهيوني في إسرائيل. فحماسة نخب اليسار الصهيوني السياسية والثقافية لارتكاب المجازر ضد الغزيين لا تقل عن حماسة اليمين بشقيه العلماني والديني، بل أن بعض نخب اليمين-في حماسها- تبدو أكثر اعتدالاً من النخب اليسارية. فعندما شرعت إسرائيل في حملتها البرية على قطاع غزة بعد أسبوعين على اندلاع الحرب، كان حاييم هيرتزوغ، زعيم حزب العمل، الذي يدعي تمثيله "معسكر السلام" الإسرائيلي، ينتقل من محطة تلفزيونية أجنبية إلى أخرى ليدافع عن قيام الجيش الصهيوني بتدمير منازل الفلسطينيين على رؤوس ساكنيها، ويخرج عن طوره لكي يحمل "حماس" المسؤولية عن هذا الواقع.

ومثّل غالؤون، فٌن النقد الوحيد الذي يوجهه هيرتزوغ لنتنياهو والذي يتمثل في عدم استعداده للقيام بخطوات جادة لبناء تحالف راسخ مع القوى الإقليمية العربية وتوظيف هذا التحالف في تغيير البيئة السياسية السائدة في قطاع غزة عبر إحلال السلطة الفلسطينية محل حركة حماس. وقد وصل الأمر ببعض النخب اليسارية إلى حد المزاودة على حكومة اليمين وتوجيه انتقادات حادة لها، بزعم "تقاعسها" في الحرب على غزة وعدم توظيف التفوق العسكري الصهيوني في تنفيذ مزيد من المجازر ضد العمق المدني الفلسطيني من أجل حسم المواجهة بشكل أسرع.

وقد هاجم ميخائيل بارزوهر، أحد قيادات حزب "العمل" السابقين، والذي كان نائباً عنه في الكنيست لمدة طويلة، نتنياهو لأنه وافق على التفاوض غير المباشر مع "حماس"، حيث يرى بارزوهر أنه يتوجب القضاء على الحركة تماماً لضمان نزع سلاح غزة. وفي مقال نشره موقع صحيفة "يديعوت أحرنوت" في 24-8، شدد بارزوهر على أنه يتوجب عدم التوصل لاتفاقات وقف إطلاق نار مع حماس، زاعماً أنه في حال عدم حسم المواجهة ضد الحركة الآن، فإنها ستحرص في المواجهات القادمة على استخدام أسلحة غير تقليدية ضد الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ويرفض بار زوهر بشدة الرهان الاعتماد على مجلس الأمن أو أي تحرك دولي آخر لضمان نزع سلاح "حماس" في غزة،معتبراً أن تحقيق هذا الهدف لن يتحقق بدون الحسم العسكري الواضح. ورغم فظاعة المجازر التي ارتكبت حتى الآن،فإن حجاي ميروم،أحد القادة السابقين في حزب العمل، يصب جام غضبه على القيادات السياسية والعسكرية في تل أبيب ويتهمها بـ "الجبن" لأنها تتردد في القيام بحملة برية في عمق قطاع غزة.

وفي مقال نشرته صحيفة "ميكور ريشون" في 24-8، يشدد ميروم، الذي كان رئيساً للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، على أن حقيقة انتمائه لليسار الصهيوني تجعله أكثر إيماناً بضرورة القيام بكل العمليات العسكرية التي تضمن حسم المواجهة عبر مزيد من القوة.

أما الإعلاميون اليساريون، الذين لا يزالون يهيمنون على منابر مهمة، رغم التحولات في سوق الإعلام الإسرائيلي، فتجاوزوا زملاءهم اليمينيين من حيث الحماسة لاستهداف غزة، علاوة على أنهم يتجنبون طرح الأسئلة التي تسلط الضوء على الأسباب الحقيقية للحرب، ناهيك عن تجاهل شبه مطلق لحجم الفظائع التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون خلال الحرب. ليس هذا فحسب، بل أن بعض الإعلاميين اليساريين استغل هذه الحرب لمحاولة محو الانطباعات التي تكرست عنهم لدى الجمهور الصهيوني بشأن مواقفهم "الإنسانية" من معاناة الفلسطينيين. فيونيت ليفي، مقدمة نشرة الأخبار الرئيسة في قناة التلفزة الثانية، والتي أغضبت المشاهدين عندما بكت خلال حرب 2008 إثر عرض صورة أطفال فلسطينيين مزقت قذائف الاحتلال أشلاءهم، حرصت خلال هذه الحرب بشكل تظاهري على تبرير فظاعة المجازر التي ارتكبها الجيش الصهيوني، والتي تجاوزت بكثير ما تم ارتكابه خلال حرب 2008.

وللتعبير عن سعادتها بالحرب، فقد اختارت ليفي أن تنشر صوراً لها وهي تحتضن زميلها روني دانئيل، المعلق العسكري في القناة، تحديداً بالقرب من بطاريات المدفعية الإسرائيلية التي كانت في الأثناء تدك الأحياء الشرقية لمدينة غزة. ومع ذلك، فإن الإنصاف يستدعي التأكيد أن عدداً من الكتاب الإسرائيليين، لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، من الذن ينتمون لمدرسة "ما بعد الصهيونية"، قد أظهروا قدراً كبيراً من المثابرة الأخلاقية، وظلوا يفندون مزاعم الاحتلال ويكشفون أكاذيبه ويفضحون ازدواجية معاييره. وقد برز بشكل خاص جدعون ليفي، الكاتب في "هارتس"، الذي يتعرض لهجمة شرسة وصلت إلى حد وصفه بـ "الخائن"، ناهيك عن تلقيه اتهامات بالقتل من متطرفين صهاينة.

 

المساهمون