اليابان وسيط أم وسيلة إيضاح أميركية لإيران؟

اليابان وسيط أم وسيلة إيضاح أميركية لإيران؟

24 يونيو 2019
الصورة

شينزو آبي يستقبله خامنئي بحضور روحاني في طهران (13/6/2019/الأناضول)

+ الخط -
بغض النظر عن أن إيران واحدة من الدول التي أسهمت في خراب المنطقة العربية عموماً، وتسليم مفاتيحها لصانعي "صفقة القرن" بزعامة إسرائيلية، نتيجة حرف مسار الصراع العربي - الإسرائيلي، وصندقته ضمن محور المقاومة والممانعة، في لعبةٍ استهدفت الإجماع الشعبي حول القضية الفلسطينية، ومركزيتها، وغيّرت في أولويات المنطقة، ليتقدّم اليوم الصراع السني - الشيعي على غيره، وهو ما تبلورت معالمه داخل المجتمعات التي اخترقتها إيران، بأذرعها المحلية ومليشياتها المقاتلة، كما هو الحال في لبنان والعراق واليمن وسورية، فإن التهليل اليوم لحرب بينية أميركية - إيرانية هو ضرب من الرهان على الخراب الشامل في المنطقة، بعمومها وخصوصيتها، ما يجعل حصار نتائجها ضمن بقعتها الجغرافية أمراً غير وارد، سواء بفعل إرادة إيران، أو بفعل حجم القوة التدميرية التي يمكن أن تستخدم في هذه الحرب. 
لقد نزع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الأوهام المتنامية من رؤوس حلفائه الذين كانوا متأهبين لإعلان حربه على إيران الأسبوع الماضي، وهو بسحب قراره "المزعوم" بضرب ثلاثة أهداف إيرانية، ردّاً انتقامياً على إسقاط طائرة التجسّس الأميركية، أنهى طموحات أنظمة عربية بالاحتفال بنصرٍ يحققه لها ترامب على إيران، من دون أن تدرك أن من شأن تنفيذ مطالبها أن يكون على حسابها أولاً، وثانياً على حساب مصالح الولايات المتحدة الداخلية، وحساباتها الاقتصادية، واستنزاف طويل الأمد لقوتها العسكرية التي لا يشك أحد بتفوقها وقدراتها الفعلية على تدمير إيران، من دون أن يعني ذلك أن طهران لن يكون في قدرتها إلحاق الأذى المتبادل مع واشنطن والعالم، وحتى لو كان بدرجاتٍ متفاوتة، وفي أدنى مستويات التوازي معها.
ومن هنا يمكن النظر أبعد مما حاول ترامب أن يقدّمه تفسيراً "إنسانياً"، غير مقنع، عن سبب 
إحجامه عن ضرب إيران التي لن تقف، هي الأخرى، مكتوفة اليدين، فالحرب التي يحاول بعض الأنظمة ترويجها، لن تكون نزهةً سعيدةً، يعود منها ترامب آخر الليل لينام في البيت الأبيض إلى ولاية ثانية، كما يحاول أن يفعل، فجمهور المنتخبين في الولايات المتحدة لن يسرّه أن يُبقي على رجل حربٍ، لا تدخل مصالح الدولة واقتصادها في حساباته، وهو أيضاً لا يملك أجوبة منطقية عن حجم الضرر الذي تمثله إيران على بلده، ولا عن ضمانات أن تكون حربه بنتائج سريعة وواضحة، في ظل امتلاك خصمه مقومات الدفاع عن نفسه عسكرياً، حتى ضمن إمكاناتها غير المتوازية مع خصمها، ولكنها، في واقع الحال، لا يمكن الاستخفاف بها، ولا بالعامل الشعبي الذي يمكن أن يتحوّل من موقع الرافض سياسات النظام الإيراني، الاجتماعية والاقتصادية، وحتى الخارجية، إلى موقع المدافع عنه، بفعل الحرب المفتعلة عليه.
ولهذا فإن العودة إلى دراسة سبب اختيار الولايات المتحدة رئيس الوزراء اليابان شينزو آبي، لحمل رسالتها إلى طهران، هو مضمون الرسالة الحقيقية التي تلقفتها إيران، منذ الإعلان عن وساطة يابانية، وهي (الرسالة الضمنية)، إذ تضع النقاط على الحروف، لتوضيح ما تريده الإدارة الأميركية لمستقبل علاقتها مع إيران، كما أنها، في الوقت نفسه، تستقي، من خلال الإجابة عليها، وسائل التعاطي مع إيران دولةً لها ثقلها العسكري الإقليمي، ونظاماً حاكماً لم تتأخر التصريحات الأميركية بأن المطلوب منه فقط تغيير سلوكه، مع الاستعداد للدخول في مفاوضات غير مشروطة معه.
وبقدر ما يمكن فهم وجود آبي في هذه المهمة من حالة تطمين لإيران من جهة، ولما تمثله العلاقات الأميركية - اليابانية باعتبارها نموذجاً مختلفاً وفريداً، أنتجته وحشية الحرب العالمية الثانية، وعقب عدوان أميركي على اليابان بقنبلتين ذريتين، فإن ما يمكن قراءته أيضاً أن الإدارة الأميركية استخدمت الوسيط الياباني وسيلة إيضاح حية عن انقلاب مواقع الأصدقاء والأعداء في المفهوم الأميركي، وأن خسارة الحرب لا تعني انتهاء العلاقة بين المتحاربين، أو بقاء الجبهات الحربية مفتوحةً بين الطرفين، بما يمثله ذلك من توافق بين تصريحاتٍ وتغريداتٍ كثيرة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن الرغبة في الجلوس من جديد إلى طاولة تفاوض، من شأنها أن تنهي حرباً ليست ضمن أولويات أيٍّ من الطرفين، سواء عسكرياً أو اقتصادياً أو
 حتى شعبياً، حيث لا مبررات مقنعة يمكن تقديمها أسبابا لبدء حربٍ قد تأخذ في طريقها المنطقة كاملة إلى الخراب.
ولعل ما عناه بقاء رسالة الرئيس الأميركي مغلقة إلى جانب رئيس الوزراء الياباني، بناء على رفض المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، "تبادل الرسائل مع ترامب لأنه لا يستحق ذلك"، وهو ما يمكن أن يمثل الرد الإيراني أيضاً على وصول الرسالة إن ما تريده طهران في هذه العلاقة هو الندّية القائمة على الاعتراف الكامل بالشراكة في مستقبل العلاقات المتبادلة، والمنطقة. وهو بقدر ما يمكن أن يمثل هذا السلوك رسالة داخلية، أراد المرشد أن يقرأها الشعب الإيراني لفك الحصار عنه، الذي يعتبره أكثر خطورةً من حصار ترامب وعقوباته، فهو أرادها رسالة إلى حلفائه الدوليين أيضاً، والذين بدأوا يسنّون سكاكينهم للنيْل من موقعه شريكا متهاويا على الأرض، في اتفاق دولي، ومصالح ثنائية نفعية متبادلة.
بعد عقود من العداء الإعلامي المتبادل بين الطرفين، ليست إيران في حاجةٍ إلى قراءة بضعة سطور مدونة، لتفهم ما تريده واشنطن منها، ويدرك رئيس وزراء اليابان أن دوره أكبر من حمل رسالة أميركية مكتوبة، من شأن طهران أن تردّ عليها بالمثل. وهو عندما اضطلع بالمهمة، يعرف أن وصوله إلى مطار مهر آباد وسط العاصمة، بعد نحو أربعين عاماً من انقطاع الزيارات اليابانية على هذا المستوى إلى طهران، بحد ذاته يمثل إحدى نقاط الرسالة التي أرادها ترامب أن تكون حاضرةً على طاولة الخيارات الإيرانية، ليفسح لها المجال أن تكون يابان المنطقة، وليس فقط الشرطي المعتمد، وهو ما يجب التفات العرب إليه، فلا تأخذنا الأصوات العالية، من دون أن نبحث عما أرادت أن تخفيه حالة الصخب من صفقاتٍ هادئة، ربما لن يطول الزمن حتى نكتشفها، حتى لو لجأ ترامب إلى ضربةٍ مباشرة أو غير مباشرة، لن توجع نظام إيران، لكنها قد تهذب وسائل رده القادم، وتكسر من حدّة نبرة المطالبين بكسرها.