الولد المشاغب ولعبة المفاتيح

29 مايو 2020
في بداية لقاء الإمتاع والمؤانسة، تحدث الأستاذ كمال عن الكذب. قال إن الكذب يرتبط، عادة، بمصلحة. الإنسان يكذب عندما يخاف من قول الحقيقة. الولد - على سبيل المثال - يكذب على أبيه لأن أباه اعتاد أن يضربه بالقشاط أو بالبوكس أو بالشحاطة إذا ارتكب قائمة طويلة من التصرفات التي يعتبرها مشينة. لذلك يترك الولد الحقيقة جانباً، ويقدم لأبيه مسرودات مخترعة من الخيال، وكلما كان الكذاب ذكياً تكون المسرودة أجمل وألذ.

المرأة تكذب على زوجها خوفاً من غضبه وشكوكه ووساوسه، إذا سألها (وين كنتي يا خانم؟) وقالت له إنها كانت في زيارة الخياطة سيغضب لأن زوج الخياطة – على حد علمه - رجل نسوانجي، وعينه زايغة، وطول النهار مرابط عند الباب يتفرج على الزبونات، وربما أنه يُعمل خياله فيخترق به أجسادهن. فإذا سألته باستغرب: لماذا يفعل زوج الخياطة ذلك؟ لأنه رجل واطي حقير لا يعرف العيب ولا الحرام. الأفضل في هذه الحالة أن تقول لزوجها إنها كانت عند طبيبة الأسنان. الطبيبة، وليس الطبيب، لأن طبيعة الشغل تقتضي أن يلصق طبيب الأسنان جسمه على جانب من جسم المريضة، يعني مشكلة، مصيبة.

أبو المراديس: ذكرتني يا أستاذ كمال بفصل ظريف من سكتش يشارك فيه فيلمون وهبي، ويسأل حبيبته وين كنتي؟ بتقول له كنت عند الخياط، بيسألها: لف عليكي الميزورة؟ بتقله: أي، قاس لي التنورة.! هون فيلمون بيستفظع وبيقلها إنه بهيك حالة الخياط لازم يجيب امرأة من أقاربه، حتى توقف على إيده!

كمال: أحياناً بيحصل العكس. إذا كانت طباع المرأة صعبة وشرسة بيكذب عليها زوجها لأنه إذا بيحكي الحقيقة راح يعلق بـ سين وجيم وممكن يدخل بالحيط.

أبو جهاد: على حسب كلامكم أكتر واحد صادق مع نفسه بين كل الناس هوي أبو الجود، اللي بيقول لمرته (ما بحبك) وجه لوجه. مع إنه هيي اللي لازم تقله هالحكي، مو هوي.

أم زاهر: اسمحوا لي بسؤال للأستاذ كمال. ممكن نعرف أشو مناسبة الحديث عن الكذب؟

كمال: عم نستعرض أنواع الكذب لحتى نوصل لبطل سيرتنا الممرض سلمون اللي كان يقول لرفقاته إنه مالل من الشغل عند الدكتور، والسبب إنه الدكتور بيعمل عمليات جراحية، ولما بيخلص شغله بيترك المريض ع الطاولة، وبيقله تعال يا سلمون رَجّعْ كل شي لمحله. هون بقى سلمون بيشعر بالمسؤولية، لأنه بده يرتب الأمعاء الغليظة والرفيعة، والغدد، كل شي بمحله، وبعدها لازم يخيط البطن ويقول للمريض: يا الله خاي، خلصنا شغل، تفضل بقى روح على شغلك.

أبو المراديس: طبعاً كل شي بيحكيه سلمون كذب، لأنه هوي ما بيفهم بأمور الجراحة، والدكتور اللي بيشتغل عنده طول عمره ما اشتغل بالجراحة. يعني ما في فتح بطون ولا في خياطة.

كمال: نعم، وهادا يا ست أم زاهر نوع فريد من الكذب، لأنه سلمون بيكذب من دون سبب، يعني كذبه مو نتيجة خوف ولا بقصد الاحتيال، وبنفس الوقت هوي مو سياسي حتى يلقي خطابات مليانة كذب. وهاي برأيي ظاهرة فريدة بتستحق التأمل.

حنان: ممكن يكون كذب سلمون تعويض عن النقص مثلاً؟

أبو ابراهيم: بالضبط. لأنه متلما حكوا الشباب في الجلسة الماضية، سلمون ما ترك المدرسة من تلقاء نفسه، إنما طردوه بقرار جماعي من المدير والمعلمين، وحتى الآذن أبو باسم وَقّع ع القرار. السبب إنه سلمون كان غبي، ومخه مستغلق، وفوق كل هاد مشاغب.

أبو المراديس: جزاك الله خير يا أبو ماهر، أنا راح عن بالي إنه سلمون كان مشاغب. اسمعوا هالقصة اللي كان بطلها سلمون لما كان في المرحلة الدراسية العليا.

حنان: أنو مرحلة دراسية عليا؟ إنته قلت لنا إنه ترك المدرسة في الصف التالت الابتدائي.

أبو المراديس: بما أنه ترك وهوي في الصف التالت، بيكون الصف التالت بالنسبة إله هوي المرحلة العليا. المهم، الآذن أبو باسم كان عامل في غرفة الإدارة عَلَّاقة مفاتيح طويلة، مصنوعة من الخشب، وبعد انتهاء الدوام بيقفل الصفوف وبيجيب المفاتيح وبيحطهن فيها ضمن نظام معين. على الخشبة الطويلة اللي مركبة عليها العلاقات، كتب أبو باسم بقلم الشنيار الصف الأول شعبة أولى- الصف الأول شعبة ثانية- الصف الثاني شعبة أولى- الصف الثاني شعبة تانية.. هيك لحتى يوصل للصف السادس شعبة تانية. وكل يوم الصبح، بياخد كل مفتاح من مكانه، بيفتح الصف المقصود، وبينضفه، وبيتفقد الصوبيا، والطباشير، ودفتر التفقد، وبيحط كل شي في مكانه.

وفي يوم من الأيام، وكان يوم الخميس، لما كان سلمون عم يلبس تياب المدرسة قال له أبوه: يا إبني يا سلمون، اليوم في آخر الدوام مر ع المدير الأستاذ أبو فاروق، وقله إنه أنا بدي أمر عليه بعد بكرة يوم السبت، لأنه هوي بعت لي خبر إني أمر عليه. قال له سلمون: متلما بتؤمر ياب. وبالفعل، راح سلمون في آخر الدوام على غرفة الإدارة حتى يبلّغ المدير الرسالة الشفهية من أبوه، وإذ بيلاقي الغرفة مفتوحة، وأبو فاروق مو موجود. وعلى السريع، حط كرسي وطلع لحتى صاروا إيديه مقابيل العَلَّاقة، وبلش يخربط المفاتيح، مفتاح الخامس تانية صار محل الثاني شعبة أولى، ومفتاح التالت أولى صار محل الرابع تانية، والسادس محل الرابع.. ونزل عن الكرسي وطلع من المدرسة. 

يوم السبت صارت مشكلة ما في أحلى منها. التلاميذ اصطفوا في الباحة، وحيوا العَلَم، وبعدين تلقوا إيعاز بالذهاب إلى الصفوف. وهون الكل تفاجأوا بأن أبواب الصفوف لساتها مقفولة، والمسكين أبو باسم ماسك جرزة المفاتيح وعم يجربها على أحد الصفوف. ولما أجا المدير وصار يزعق على أبو باسم، في البداية سكت، وبعدين انفجر، وقال للمدير:

- يا استاذ أشو هالحكي هاد؟ مو حضرتك مخربط المفاتيح حتى ما عدنا نعرف واحد من التاني؟ وفوق المنها عم تبهدلني؟

دهش المدير، وارتسمت على وجهه ابتسامة عذبة وقال له:

- الله يصلحك يا أبو باسم، أشو شايفني ولد زغير حتى إلعب بالمفاتيح؟

والتفت لقى مجموعة طلاب واقفين عمي تفرجوا، وسألهم:

- مين اللي لعب بالمفاتيح؟

هون سلمون من شدة غباؤه قال للمدير: إستاذ مو أنا.

وبشوية تحقيق اعترف إنه هوي اللي لعب هاللعبة.

دلالات

تعليق: