الولاية الرئاسية الرابعة في الجزائر.. والجمهورية الثانية؟

الولاية الرئاسية الرابعة في الجزائر.. والجمهورية الثانية؟

31 مايو 2018
الصورة
+ الخط -
تعالت أصوات في الجزائر، داعية الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى عدم الترشّح لولاية رئاسية خامسة، وذلك على خلفية تعالي أصوات أخرى من "الموالاة" (أحزاب تناصر ما تطلق عليه برنامج الرئيس) تدعوه إلى الترشّح. ولا يمكن تقييم الدعوتين، إلا بالقيام بعملية تدقيق في ما يطلق عليها "إنجازات"، تؤسّس عليها الموالاة دعوتها، في حين تفند الدعوة الأخرى ذلك جملة وتفصيلا.
وبالانطلاق من الوضع الأمني، تستوجب الرؤية لهذا الجانب وقفتين، أولاها للاعتراف بما قام به الجيش الجزائري من حماية للحدود واحتواء للفشل في الجوار (الليبي خصوصا) وامتداده (الساحلي - الصحراوي)، وهو ما تم بتعبئة أفراده مدة فاقت سبع سنوات، وعلى امتداد حدود أكثر من 6.500 كلم. الوقفة الثانية هي لاتخاذ هذا الإنجاز ذريعة لكبح جماح التحول نحو الديمقراطية، بحجة الأخطار المحدقة بالأمن القومي، بل تسخير ذلك النجاح لإدامة الوضع القائم، المتسم بجرعات تغيير تدرجية، ولكن بطيئة جدا ثلاثين عاما بعد "الربيع الجزائري" (أكتوبر/ تشرين الأول 1988).
على مستوى الجوار، ثمة احتواء لفشل بدا أنه سيؤثر على الجزائر من الشرق (ليبيا)، ومن الجنوب (مالي خصوصا). ولكن كانت لاستراتيجية الجزائر ثمارها التي جنّبت تداعيات سقوط النظام الليبي، ثم انعكاسات ذلك على مالي منذ انقلاب مارس/ آذار 2012، وحالة عدم 
الاستقرار التي صاحبته في شمال هذا البلد المحاذي للحدود الجنوبية الجزائرية. ويمكن الحديث عن عدم انزلاق الجزائر إلى التدخل في أزمتي ليبيا ومالي، فعبء حراسة حدود شاسعة (حوالي 7000 كلم) يكفي لمنع الفشل من تجاوز الفضاء الذي حاول التمدّد فيه، خصوصا أن الفشل كان بسبب تهديدات كبيرة لمنتظمين دوليين، "قاعدة المغرب الإسلامي" و"داعش"، وبخلفية انتشار مجموعات الجريمة عابرة الحدود. ويضاف إلى هذه المعطيات سياق تحديث عتاد الجيش وتوجيهه نحو الاحترافية، وهو سياق يمكن أن يخدم التغيير السياسي في المستقبل، باعتبار أن المهام المنوطة بالجيش حماية الحدود، والتفرغ للمهام الدفاعية العسكرية فقط.
على المستوى الداخلي، لا يمكن إغفال الإنجاز الحقيقي، وهو وقف نزيف الدم الجزائري الذي دام نحو عشر سنوات، من خلال استراتيجية "صنع الوئام" و"إحلال المصالحة"، وإن تمّ ذلك بعيدا عن المأمول، وهو "المصالحة بمحاكم الحقيقة"، على شاكلة ما جرى في جنوب أفريقيا.
اقتصادياً، يتضّح مدى الفشل المنجز ببقاء منظومة الرّيع في مفاصل الآلة الاقتصادية الجزائرية، وهي المنظومة التي منعت البلاد من الانطلاق في مشروع نهضوي حقيقي، اعتمادا على أن النّفط يحرّر "صانع القرار" من الحاجة للمراقبة المواطنية، إذا حلّ الاقتصاد الحقيقي محلّ الرّيع، وأصبحت الضرائب المسيّر الحقيقي لعلاقة الجزائري بمؤسّساته، إذ إن دفعها يستوجب الحصول على حق مراقبة سيرها ومراقبة طريقة صرف المال العام، بصفة خاصّة، وذلك عبر ممثلين في البرلمان (بغرفتيه)، نالوا حق التمثيل بطريقة ديمقراطية نزيهة.
وبإجراء تحليل أعمق للاقتصاد الجزائري، نجد "إنجازًا" لا يقل قيمة عن "الإنجاز الأول"، وهو اتفاقية الشراكة الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، والتي كلها مثالب. ولعلّ ما وقع أخيرا من ارتفاع صوت الأوروبيين، للحديث عن قرارات جزائرية "سيادية" بأنها معيقة للتجارة الحرة بين الجانبين (الجزائر والاتحاد الأوروبي) ومخالفة الاتفاقية خير دليل على أن تلك الاتفاقية لم تكن لتوقع لو تمت قراءة الوضع الاقتصادي قراءة متمعنةً.
وهناك جانب ثالث في هذا التقييم للوضع الاقتصادي، وهو نموذج للفشل التام، المتمثل في فتح مصانع لتركيب السيارات لماركات عالمية، تبيّن أنها مصانع دون تحويل للتكنولوجيا وبدون نسبة اندماج (أو في أدناها) يمكن أن تشكّل، في المستقبل، قاعدة لصناعة جزائرية كاملة، إضافة إلى تحفيزات ضريبية خيالية، من جهة، وترخيص للبيع بأسعار خيالية، أيضا. وهو ما أوحى للجزائريين بإطلاق حملة "خليها تصدي" (دعها تصدأ)، تعبيرا عن امتعاضهم من تلك الأسعار، وعدم قدرتهم على مسايرتها القدرة المعيشية الحقيقية لهم.
هناك ملفان على المستوى الاجتماعي، لا يمكن الصّمت عنهما، هما التّعليم (بأطواره المختلفة) والصّحة، وهما المجالان اللذان لم يتوقفا عن إثارة الأزمات، منذ فترة، بإضرابات العاملين فيهما. ويمثّل القطاعان صورة مثلى لتجسيد تردّي الأوضاع الاجتماعية، بشهادة التقارير الدولية للتنمية البشرية بخصوص التعليم، وبالوضع المتدني للتكفل بصحة المرضى وحالة المستشفيات. والمنظومتان حيويتان لحياة الجزائريين، ويشكل توفيرهما جزءا من مسؤولية الدولة تجاه المواطن.
وقد اتسم ملف التعليم بإجراء تجارب إصلاحية عديدة، من دون التوصل إلى وصفة تعكس التوجه نحو صنع الحداثة والتمسك بالهوية، ما انعكس على خلافاتٍ لا نجدها إلا في الجزائر، تنصب على البحث في إشكاليات شكلية، تتمحور حول اللّغة، من دون الغوص في مضمون البرامج وتغييرها، وصولا إلى تثبيت برامج لمختلف الأطوار تتناسـب والمتطلبات العصرية للتربية والتعليم. وقد انعكس كلّ هذا الخلاف على مستوى التعليم، وعلى جودته، بحيث إنه أصبح ينتج تلاميذ ذوي مستوى متدنٍّ، إضافة إلى حالة مزرية للأوضاع الاجتماعية للعاملين في القطاع (المعلمين)، والمرافق التعليمية (المدارس)، ما كرّس مدرسة الكم، وليس الكيف، على الرغم من أنها، في عقود خلت، كانت مثالا لإنتاج العلم وتحضير النشء لولوج الجامعات نخبة متنورة.
ويمكن الحديث عن تطور هائل في عدد الجامعات وزيادة مهولة في أعداد الطلبة (قرابة المليونين)، ولكن بتخصصات لا تجد انعكاساً لها في عالم الشّغل والاقتصاد، ما انعكس في بطالةٍ بين الخرّيجين، قد تشكل أزمة أخرى على السلطات إدارتها وإيجاد حل لها. وقد ازداد تفاقم هذه المشكلة بتغيير النظام التعليمي الجامعي ليصبح وفق ثلاثية تكوينية متصاعدة "ليسانس (بكالوريوس)، ماستر، دكتوراه"، من دون إرفاق ذلك بمتطلبات الجودة في التعليم والمرافقة التأطيرية من أساتذة جامعيين أكفّاء، ومن دون توفير قاعدة لذلك الإصلاح، يتضمن إيجاد رابط أو جسور بين الجامعة وعالم الاقتصاد، لتصبح الجامعة منتجةً لشهادات مطلوبة، وفي إطار سياسة عامة مدروسة، تعكس العلاقة التعاضدية بين القطاعين (التعليم العالي والاقتصاد).
على مستوى الحياة السياسية، يمكن القول إن دار لقمان بقيت على حالها منذ نهاية العشرية 
السوداء، حيث توقفت السلطات عن اعتماد أحزاب جديدة، وجعلت ممن ينشطون في الساحة على شاكلتين، أطلق على أولاها "موالاة" بتشكيل "تحالف رئاسي"، وعلى الثّانية "معارضة"، من دون تأثير على مسار التغيير، وعلى تجسيد التحول نحو الديمقراطية. ونتجت عن ذلك ثقافة سياسية يتضمنّها اتجاه الجزائريين نحو العزوف سلوكا انتخابيا بنسب كبيرة، والاحتجاج، بشتى الطرق، كسلوك رافض لقرارات وممارسات يعتبرونها بعيدةً عن تحقيق رضاهم، وترجمة آمالهم في العدالة والعيش الكريم. وكان للشّباب دورهم في تجسيد هذه الثقافة السياسية الجديدة، بالاستخدام الأمثل لوسائل الاتصال الاجتماعي، لإيصال رسائلهم إلى الجمهور، وللتعبير عن رفضهم للجمود الذي طبع مناحي الحياة برمّتها.
وقد تجلّى الاحتواء لموجة التغيير واحتمالاته التي شوهدت في أثناء وقوع احتجاجات بداية عام 2011، والتي عرف النظام كيف يسيرها باقتراح جرعاتٍ إصلاحيةٍ، انتهت إلى إدامة الجمود والرتابة على الحياة السياسية، بل وامتصاص تبعات "الربيع العربي"، بالحديث عن "ربيع جزائري" من ناحية، حدث في 1988، وبمرجعية عدم تجاوز حدود معينة في المطالبة بالعزل السياسي أو المحاسبة، مثلا، حتى يتم تفادي ما حدث في العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، من ناحية أخرى. وقد تم اعتماد التذكير للأجيال الجديدة التي لم تعش تلك الأحداث من خلال "حتى لا ننسى"، في إشارة إلى أن ما حدث ذاكرة أليمة، ويجب تفادي عدم تكرارها، تماهيا مع ما حدث ويحدث في العالم العربي (ليبيا وسورية واليمن)، بعد موجة "الربيع العربي" والفوضى التي أعقبتها، أو ما اصطلح على تسميتها بـ"الثّورات المضّادة".
كيف يتم تقييم (تقويم) الإنجازات؟ هذا هو محلّ الشاهد الذي تمحور حوله عنوان المقالة، حيث إن كلا من الدعوتين إلى ترشّح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، وإلى عدم ترشّحه، تفتحان الباب واسعا أمام نقاش مجتمعي، سيفضي حتما إلى المناداة بجمهوريةٍ ثانيةٍ، تأسيسا على أن نصف قرن من بنية نظام سياسي ما يحتاج، بنجاحاته ومؤشرات الفشل التي وردت أعلاه، إلى "مراجعةٍ"، بقصد التخلي عن نموذجٍ انتهت الحاجة إليه، ورسما لخريطة طريق تؤدي إلى دولة قوية، واقتصاد ناشئ، وإدراك جديد لحيوية الجوار (المغرب العربي) والتعويل على بناء قوة ذاتية حقيقية، بمقومات ما زالت موجودة، وتنتظر الاستثمار فيها.
هذا هو الإنجاز بذاته إذا اتفق الجميع في الجزائر، موالاة ومعارضة، على وجوب فتح هذا الملف الحيوي لمستقبل البلاد، بعد تأكّد إلزامية تغيير الوجهة، لتبوء مكانة حقيقية تحت الشمس بين الأمم، مكانة الدولة القوية.