الولايات المتحدة: 150 ألف وفاة بكورونا ثمن تهميش الطب وتغوّل السياسة

31 يوليو 2020
الصورة
حصيلة الوفيات بفيروس كورونا في الولايات المتحدة تفوق التوقعات (فرانس برس)

في حصيلة فاقت كافة التوقعات، تجاوزت عدد حالات الوفاة بوباء كورونا في الولايات المتحدة 150 ألف، إذ سبق وأن حذر المرجع الطبي أنطوني فاوشي من أن النهج الخاطئ الذي جرى اعتماده في التعامل مع فيروس كورونا قد يؤدي إلى 130 ألف حالة وفاة مع دخول أغسطس، لكنه تبين لاحقاً أن تقديره كان متواضعاً، وأن سوء إدارة الأزمة كان أكبر مما تصور.

ومع ذلك، وبدلاً من إجراء مراجعة  لتدارك الأدهى، انتهى الأمر بتفاقم الخلاف بين الطب والسياسة والذي طاول مسألة بديهية مثل ضرورة استعمال الكمامات التي وصل الانقسام حولها إلى الكونغرس.

 رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، أصدرت قراراً أمس يلزم النواب بارتداء الكمامة، واعترض الجمهوريون عموماً على ذلك، رغم الإعلان عن إصابة أحدهم يوم أمس بكورونا، ومع ذلك أصر على تجاهل وسيلة الوقاية هذه بزعم أنها "تسببت بإصابته"، وبذلك صار المشهد الصحي مسيّس إلى العظم. ويرفض الجمهوري عموماً الكمامة والمسح الصحي تضامناً على ما يبدو مع الرئيس، في محاولة لتهوين المسألة بدافع حسابات انتخابية. والديمقراطي، على نقيضه، في وضعية تلخص واقع الحال المستمر منذ ستة أشهر، والذي بلغ أرقاماً قياسية في الوفيات كما في الإصابات التي تدنو من خمس ملايين، ومن غير علامات انفراج في وقت قريب.  

رفَض الجمهوري عموماً الكمامة والمسح الصحي تضامناً على ما يبدو مع الرئيس، في محاولة لتهوين المسألة بدافع حسابات انتخابية

 

ومنذ البداية، حرص الرئيس ترامب على التعاطي مع الجائحة كحالة مرضية عابرة، برغم تحذيرات الأطباء، لكن تفشي الوباء وتردي الوضع الصحي أثبت العكس، وفرض الإغلاق الإجباري الذي أدى إلى ارتفاع البطالة، وهو الوضع الذي لم يحتمله ترامب قبل أشهر من الانتخابات، ولذلك سارع إلى الحضّ على فك الإغلاق قبل الآوان، خلافاً لإلحاح وأحياناً مناشدات المراجع الصحية بتأجيل الفتح. ولذلك، استفحل الوباء، على النحو الذي يهدد افتتاح الموسم الدراسي بعد أقل من شهر، وسبب المزيد من التردي الاقتصادي، الذي بات يفرض الحاجة لحزمة مساعدات وتحفيز جديدة.

ومع أن الدرس واضح، لكن هناك إصرار ا متزايدا على مواصلة النهج ذاته. وتكرر الإدارة نفس الخطاب، وخصوصاً البيت الأبيض، سواء بخصوص العودة الكاملة للعمل، أو التقليل من أهمية التدابير الاحترازية، وبالذات الكمامات والمسح الصحي الذي يكشف مزيد من الإصابات، حسب تعبير الرئيس؛ أو بشأن الترويج لدواء الهيدروكسيكلوروكين والتلويح بقرب العثور على اللقاح، فضلاً عن التأكيد على ضرورة فتح المدارس في الموعد المعتاد. 

ويأتي كل ذلك خلافاً لتوجيهات وتقديرات أهل الاختصاص وتشديدهم على ما ينقض هذه المقاربة وبخاصة فيما يتعلق بوجوب استعمال الكمامات، إذ يقول مدير مركز السيطرة والوقاية المرضية الطبيب روبرت رادفيلد بأنه "السلاح الأقوى لهزيمة كورونا". والمعروف أن البيت الأبيض استبعد رادفيلد مع فاوشي من فريقه الطبي الاستشاري، كما تواصل الإدارة توجهها مع نفس الخطأ الأساسي، المتمثل بغياب سياسة موحدة تقوم على التنسيق بين الولايات، فالأمر متروك لكل ولاية للتعامل مع الفيروس، حسبما تراه مناسباً.

وتواصل الإدارة التمسك بهذا الخط على خلفية حصيلة شبه كارثية، ليس فقط صحية بل أيضاً اقتصادية، حسب الرقم الرسمي الذي كشف عنه اليوم، انكماش الاقتصاد الأميركي خلال الربع الثاني من 2020، بما يعادل نسبة سنوية تساوي 32.9%. وبلغ عدد العاطلين عن العمل خلال الأسبوع الماضي 1,43 مليون، وارتفع معه معدل البطالة إلى ما بين 11 و 12%،كما أن إشارة مدير الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي) أمس إلى أن "الطريق أمامنا وعر"، عززت التكهنات بأن هذه النسبة باقية في حدود ما يزيد على 10% حتى نهاية العام في أحسن الأحوال. 

ويزيد من حالة الضيق أن حزمة المساعدة والتحفيز التي أقرها الكونغرس، ووافق عليه الرئيس في الربيع الماضي ينتهي مفعولها غداً الجمعة 31 يوليو/تموز. وحتى اللحظة، عجزت المساومة والمفاوضات بين الجمهوريين في الكونغرس والبيت الأبيض من جهة وبين الديمقراطيين عن التوصل إلى توافق على حزمة ثانية بات الوضع بأمس الحاجة إليها. ومع ذلك، ما زالت الفجوة واسعة بين عرض الطرف الأول، تريليون دولار ومطالبة الفريق الثاني بـ3 تريليون دولار، كله مع بعضه زاد من تآكل رصيد الرئيس، وبالتالي من صعوبة فوزه في الانتخابات. وثمة من يصف أجواء البيت الأبيض بكثير من التشاؤم. 

وجاءت اليوم تغريدة الرئيس ترامب لتعزز توصيف أجواء البيت الأبيض المتشائمة، إذ اقترح "تأجيل "الانتخابات بحجة أن عملية الاقتراع في مثل هذه الظروف قد لا تكون سليمة. هذه الدعوة التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الرئاسة، لم تعكس فقط تسليمه المبطن باستبعاد فوزه، بل حسبها آخرون بأنها تمهيد "للطعن بنتائج الانتخابات" لو جاءت لمصلحة منافسه بايدن. 

قد لا تكون تغريدة ترامب أكثر من جس نبض، لكن في الظروف الحالية وعلى خلفية تلميحات الرئيس السابقة في هذا الاتجاه، نُظر إليها بكثير من التخوف، بل بدق ناقوس الخطر ولو أن تغيير موعد الانتخابات ليس من صلاحية الرئيس ويعود إلى الكونغرس الذي من شبه المستحيل موافقته على ذلك بحكم سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب. ومع هذا، فإن مجرد طرح هذا الخيار في زمن كورونا، من شأنه رفع منسوب القلق والمخاوف المرتفعة أصلاً من خريف أميركي ساخن.