الوعي الذي يناجي الخلاص

الوعي الذي يناجي الخلاص

18 أكتوبر 2015
الصورة
فلسطين، 14 تشرين الأول/ أكتوبر (تصوير: عباس موماني)
+ الخط -

"عالقدس رايحين شهداء بالملايين"، تصدح حناجر فلسطينية في تشييع شهداء المواجهات اليومية في القدس وبقية مدن الضفة وغزة بعد أن سقطوا برصاص الصهاينة في هبّة شعبية تميّزت هذه المرة بقدرتها على الحفاظ على نسق يوميّ متصاعد، سجّل فيه الشبان والشابات حضورهم الأجمل منذ سنوات طويلة.

جيل من الشباب، صغار السن، معظمهم في سنّ المراهقة، تراهم يخرجون باكراً وتلقاهم عند نقاط الاشتباك الرئيسية مع قوات الاحتلال، يلتحفون العلم الفلسطيني وبما تيسّر في اليد من حجارة وزجاجات حارقة يمضون بحزم إلى المعركة. جيلٌ بأكمله يخوض تجربته ويمنح الشارع الفلسطيني زخماً متجدّداً غاب عن الساحات منذ سنوات الانتفاضة الثانية.

على أنّ الحالة الفتية التي تصنع الحاضر المقاوم بحجر كأنما هو فعلاً حجر "حجر الوعي" كما سمّي يوماً، لن تكون إلا عنواناً طبيعياً ومحسوباً للتمرّد على معاش صعب، فيه ما فيه من تنسيق أمني مع المحتل، وفيه نقمة كبيرة على فصائل تخلّت عن جماهيرها، وفيه الشخصيّ المستور الذي يتبدّى أيضاً على شكل ثورة داخلية في الحيّز المحلي، تختصره العائلة أو الصرح الأكاديمي (المدرسة، الجامعة...).

في قراءة للأسباب التي تدفع شباناً صغار السن على حمل سكين وانتظار دورية صهيونية في البلدة القديمة للقدس يتكشّف فعلياً أنّ الحالة التي يراها البعض "حالة هيجان صبيانية" ليست طارئة على الساحة الفلسطينية، وهي أكثر من مفهومة إذا ما أخذت بإطارها السوسيولوجي:

أولاً لأنّ المحفّز المباشر على الاندفاع نحو الشارع هو نتاج ردّة فعل طبيعية (المقاومة) على الفعل اللاطبيعي (الاحتلال) وهي لا ترتبط نظرياً بعمر الشباب لكنّ المحفّز يبدو أكثر ليونة في مرحلة عمرية معينة تسمح للفرد بتكوين هويته استناداً إلى الترميز الإيجابي فيرى في الشهداء أيقونات يجب الامتثال بها لتحقيق الأهداف المرجوّة.

ثانياً لأنّ التأطير السلبي الذي صنعته السلطة الفلسطينية بتشديدها الحصار على الناشطين في الضفة وعدم قدرة الفصائل على كبح صوت الاحتلال في الفاصل الزمني بين كل عدوان وآخر، سرّعا من فورة الفتية الذين ينتظرون الاشتباك والمواجهة بشغف، شغف تصنعه اللحظة ولا تلجمه وحشية الصهاينة فلا تكاد تصيبه بمقتل إلا وكان الفتية يتكاثرون عجباً في الساحات.

ثالثاً، لعب عامل "القدس" و"الأقصى" دوراً كبيراً في تحريك مشاعر الأغلبية الساحقة من الفئات العمرية الشابة المؤمنة (المتدينة بدرجات متفاوتة)، عدا عن المسار الذي فرضه تعامل حكومة الاحتلال مع الانتفاضة القائمة، فسياسة الكيل بمكيالين التي لجأت إليها قطعان المستوطنين مدعومة بقوات عسكرية تبيح القتل وتشارك فيه كمثال فاضح على العدوانية التي تستند إلى صمت دوليّ رهيب مكّنها من استباحة القدس وتحويلها إلى منطقة أمنية يجري تهويدها بشكل مستمرّ وعزلها عن محيطها العربي والإسلامي.

وأخيراً، العامل النفسي والهوياتي الذي يجعل من الفرد ذائباً في الجماعة والمكان، إذ تغدو الهوية الجماعية المتشظية دافعاً يترجمه السعي الفرداني نحو تحسين الصورة الجمعية، أي فلسطين التي تخرج أمام العامة وعلى الشاشات بشكلها المقاوم والصلب والقادر على المواجهة في أقسى الظروف وفي تمظهرها الفانتازي صور الشباب مع الأعلام والحجارة والسكاكين غير آبهين لتلك العدسة التي تلاحقهم.

هذا التخلّي الفلسطيني الذي يجسّده هؤلاء الفتية بانسلاخهم عن محيط أهليّ ضيّق لا يعني إلا امتلاكاً كاملاً للحقيقة، وخلقاً للوعي الذي يناجي الخلاص بما هو فكرة أقرب إلى الواقع اليوم، الخلاص الذي يراه مراهقون - مكانهم الطبيعي خلف مقاعد الدراسة وفي مراكز العمل- في سكين مغروز في جسد مستوطن محتل، أو حجر يسقط على رأس جنديّ قاتل، أو خوف يبثّه تجمهرهم في قلوب العساكر.. الخلاص الذي ينتظره جيل بأكمله سابق ولاحق في رؤية شبل أو زهرة ترفع العلم الفلسطيني على أسوار القدس ومساجد القدس وكنائس القدس.


(كاتب لبناني/ باريس)


اقرأ أيضاً: إريتريا وفلسطين: ماذا بعد مودة القلب؟

المساهمون