الوراق... جزيرة مصرية محاصرة في قلب القاهرة

09 ديسمبر 2018
الصورة
مواطن بالجزيرة: ما يحصل يمكن تسميته التدمير وليس التطوير(Getty)
+ الخط -
من جديد، تصدّرت قضية جزيرة الوراق المصرية المشهد، بعد اجتماع رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، يوم الأحد الماضي، مع عدد من وزراء حكومته، بدعوى متابعة جهود الارتقاء وتطوير الخدمات في الجزيرة، قائلاً إنه تمّ توزيع "استمارات رغبات" (تتعلّق بالخيارات المتاحة أمام سكان الجزيرة) لمن سيتضرّرون من أهالي الجزيرة مما سماه "أعمال التطوير العمراني". وأضاف مدبولي، بعد اجتماعه مع وزراء العدل والموارد المائية والري والنقل والصحة والسكان، ومحافظ الجيزة، أن الخيارات تتضمّن إعادة التسكين في الجزيرة بعد الانتهاء من أعمال التطوير، وبناء وحدات لائقة للسكان، أو الحصول على سكن بديل في المدن الجديدة، أو الحصول على مقابل مادي على غرار ما جرى مع سكان مثلث ماسبيرو الذي تم إخلاؤه بالكامل في وقت سابق.

وأوضح رئيس الوزراء أنه تم تنظيم زيارات إلى المناطق المقترحة كسكن بديل في المدن الجديدة، مشيراً إلى أنّ الدولة تشتري حالياً عدداً من قطع الأراضي من المواطنين لاستخدامها في إعادة تسكين من سيختار هذه الرغبة.

بدورها، قالت وزيرة الصحة، هالة زايد، إنّه تمّ إرسال خمس قوافل علاجية إلى المنطقة حتى الآن، كما تم توريد وحدة المعالجة الخاصة بمركز الغسيل الكلوي بمستشفى الوراق، والتي سيتم تشغيلها في نهاية هذا الأسبوع، كما يتم سحب عينات دورية من محطة مياه الجزيرة القديمة والجديدة، وقد أفادت النتائج بمطابقتها للمعايير.

ووسط كل ذلك، يؤكّد أهالي الجزيرة أنهم يتعرّضون لأبشع أنواع الحصار. وقد أصدر رئيس الوزراء قراراً أخيراً يقضي بنزع ملكية مساحة 100 متر شرق وغرب محور روض الفرج الذي يمر فوق الجزيرة كحرم للمحور، وكذلك نزع ملكية مساحة 30 متراً بمحيط الجزيرة على ضفاف نهر النيل، فيما يتم الاستيلاء على الأراضي والمباني الواقعة داخل حدود المساحات المذكورة من دون انتظار حصْر الأملاك، لتتولّى هيئة المساحة بعد ذلك حصرها، تمهيداً لتعويض السكان.

وتحدّث "العربي الجديد" إلى عدد من أهالي الجزيرة الذين أكّدوا تمسّكهم بحقوقهم، ورفضهم القرارات كافة التي من شأنها تهجيرهم منها. وقال أحد أفراد أكبر العائلات في الجزيرة، والذي فضّل عدم ذكر اسمه، إنّ "الحكومة تريد أن تنهب أراضينا وممتلكاتنا لتحصل هي على المكاسب على رقابنا وعلى صالح حياة أبنائنا"، مضيفاً أنه "يتمّ التعامل معنا على أننا أعداء أو من دولة أخرى". وطالب برفع ما وصفه بـ"الحصار"، قائلاً في رسالة إلى الحكومة وسلطات الدولة "ارفعوا الحصار عن جزيرة الوراق، نحن لسنا في غزة، نحن في وسط القاهرة الكبرى، وإذا كنتم تعتقدون أنّ هذا الحصار سيؤدي إلى تسليم الأهالي لمنازلهم فإنكم واهمون، لن نترك منازلنا إلا أمواتاً، وإحكام الحصار سيؤدي إلى الانفجار".

بدوره، قال مواطن آخر، وهو واحد من أصحاب الملكيات الخاصة في الجزيرة، إنّ "أهالي الخان الأحمر في القدس تمكّنوا من وقف عمليات الإزالة لممتلكاتهم بقرار قضائي، وهنا في مصر، وليس في دولة الاحتلال، لا نستطيع الحصول على حقوقنا، لا بالقضاء ولا بأي طريقة أخرى". وتابع الرجل الذي يملك فدانين (الفدان يعادل 4200 متر مربّع) من الأراضي ومبنى مكوناً من أربع طبقات، "الدولة تعاملنا كأننا رعايا دولة معادية، فيتم حصارنا ومنع دخول مواد البناء من أسمنت وحديد وطوب، وكذلك أوقفت التعامل في الشهر العقاري على ممتلكاتنا الخاصة، وتقوم بحبس أبنائنا في قضية مفبركة للضغط علينا بهم لتجبرنا على التنازل عن أملاكنا، مقابل الحصول على تعويضات زهيدة".

واعتبر الرجل أنه "إذا كانت الدولة بالفعل ترغب في تطوير الجزيرة وتحويلها إلى مجتمع عمراني، فكان عليها أن تضع مخططاً جديداً للتطوير، وتترك آليات السوق تعمل، بحيث يأتي رجال الأعمال والمستثمرون الراغبون في الاستثمار بالجزيرة ويشترون من الأهالي مباشرة، وفقاً لأسعار السوق الحالية"، موضحاً "إلا أنّ الحكومة وأجهزة الدولة، وبالتحديد القوات المسلحة، ترغب في شراء الأراضي من الأهالي مقابل أثمان بخسة، لا تقدّر بقيمتها السوقية الحالية، لتقوم بمنحها لمستثمرين خليجيين بأرقام ضخمة، أو تدخل معهم كشريك في المشروع".

وجزيرة الوراق هي واحدة من 255 جزيرة نيلية، وتبلغ مساحتها 1600 فدان وتتبع إدارياً محافظة الجيزة. وتتوسّط الجزيرة محافظات القاهرة والقليوبية والجيزة، ويبلغ عدد سكانها حوالي 90 ألف نسمة. وكانت جزيرة الوراق تشتهر بزراعتها المزدهرة حتى بدأ المجتمع الاقتصادي بلفت الأنظار إليها، بغرض تحويلها إلى مجمعات سكانية متنوعة، تشمل إنشاء فنادق سياحية وأبراج سكنية، أي تحويلها من رقعة زراعية إلى رقعة بنائية. ويهدف ذلك إلى استغلال موقع الجزيرة المتميّز وتحويلها إلى مكان جاذب للاستثمار الداخلي والخارجي، وذلك إما بإخلاء ساكنيها أو شراء مساحات شاسعة في مناطق متفرقة منها واستغلالها.


إلى ذلك، قال مواطن آخر من سكان الجزيرة لـ"العربي الجديد" إنّ "الدولة ظلّت طوال عقود لا تنظر للجزيرة، فالمرافق والبنية التحتية، من مياه شرب وصرف صحي، في غاية التدهور، وكان الأهالي يدفعون أثماناً باهظة مقابل التعامل مع تلك المرافق، إضافة إلى أنّ الوحدات الصحية تعاني هي الأخرى، وحينما تذكرتنا الدولة ورئيس الدولة، جاءوا لينهبوا ممتلكاتنا ويتكسّبوا من ورائها".

ورداً على اجتماع مجلس الوزراء الذي ناقش ما سمته الحكومة تطوير الجزيرة وحديث وزيرة الصحة هالة زايد عن إيفاد قوافل طبية ومعدات صحية، أوضح أحد المحامين من أبناء الجزيرة، والذي يعدّ واحداً من الهيئة القانونية التي تتولّى الدفاع عن الأهالي "أصبحنا أسرى داخل الجزيرة لتوجهات المسؤول القابع في إحدى الغرف المغلقة، والذي خطط للاستيلاء على أراضينا تحت مسمى سلطة الدولة"، مضيفاً "ما يجري ليس له مسمى في الأعراف والقوانين الدولية إلا التهجير القسري للسكان وتغيير نمط حياتهم بالإجبار".

وتساءل المحامي: "لماذا الوراق الآن؟"، ليجيب بأن "مستثمرين من دولة خليجية ارتأوا فيها كنزاً استثمارياً لإقامة منتجع سياحي عليها، من دون مراعاة لحياة نحو 90 ألف مواطن مصري يسكنونها". وتابع: "أصبحنا أرخص من المواشي... ففي الدول المحترمة التي تقدّر وتحترم شعوبها، تتم مراعاة شقّ الطرق والمرافق وتغيير أماكنها وخططتها إذا كانت ستضرّ بالحياة البرية على سبيل المثال. أمّا في مصر، فـ 90 ألف مواطن لا يمثلون أي قيمة لصانع القرار الذي بدا وكأنه تاجر وسمسار أراضٍ".

واستطرد المحامي بالقول إنه "منذ تولّى النظام الحالي قيادة البلاد، ونحن نرى بيعاً للتراب الوطني بشكل لم يحدث في العالم، وهو ما حدث في بيع جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية مقابل الحصول على مليارات الدولارات التي تدخل خزائن كبار قيادات القوات المسلحة، ووجدنا موجات للتهجير القسري في شمال سيناء بدعوى إقامة منطقة عازلة على طول الحدود مع غزة، من دون أن يفكّر أحد في أي حلول أخرى لا تؤثر على حياة البشر وطباعهم ونمط حياتهم، فتم تدمير منازلهم وإرثهم وتاريخهم".

وتتولّى هيئة قانونية مكونة من محامين متطوعين الدفاع عن الجزيرة وسكانها من الناحية القانونية منذ بداية الأزمة، سواء في الطعون المقدمة ضدّ القرارات الحكومية الخاصة بنقل تبعية الجزيرة لهيئة المجتمعات العمرانية، أو الدفاع عن أهالي الجزيرة المحبوسين على ذمة اتهامات متعلقة بمقاومة السلطات والتظاهر، والمقدر عددهم بـ 22 شخصاً.

وفي الإطار ذاته، قال أحد وجهاء أكبر عائلات الجزيرة، لـ"العربي الجديد"، إنه "طوال الوقت نسمع عن أنه إذا كان هناك تطوير، فإنه يعني تطوير المنشآت الصحية والتعليمية والمرافق، لتحسين حياة الأهالي والمواطنين"، متسائلاً "أي تطوير هذا الذي يهجّر المواطنين ويشردهم"، متابعاً "هذا يمكن تسميته بالتدمير وليس التطوير".

وتعود أزمة جزيرة الوراق إلى عام 2000 عندما اتخذ رئيس مجلس الوزراء الأسبق، عاطف عبيد، قراراً قضى بتحويل جزيرتي الوراق والدهب إلى منافع عامة، فيما حصل الأهالي على حكم قضائي عام 2002 يقضي بأحقيتهم في أراضيهم، إذ لا تملك الدولة فيها سوى 30 فداناً مملوكة لوزارة الأوقاف.

وأُثيرت القضية من جديد في يونيو/ حزيران من عام 2016، عقب مؤتمر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جاء بعنوان "إزالة التعديات على أملاك الدولة"، والذي أصدر على إثره رئيس الوزراء السابق، شريف إسماعيل، قراراً باستبعاد 17 جزيرة من تطبيق قرار رئاسة الوزراء رقم (1969) لعام 1998، والذي كانت الجزيرة تعتبر بموجبه محمية طبيعية، فضلاً عن وضع خطة لتطوير الجزيرة وتحويلها إلى منطقة استثمارية.

تبع ذلك قيام قوات من الشرطة والجيش باقتحام الجزيرة صباح 16 يوليو/ تموز 2017، بهدف تنفيذ قرارات إزالة تعديات بالجزيرة وطرد السكان، حيث وقعت اشتباكات بين الأهالي الذين خرجوا مدافعين عن ممتلكاتهم وقوات الشرطة التي استخدمت قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص، ما أسفر عن إصابة العشرات، ومقتل أحد المواطنين. وفي أعقاب الاشتباكات بين الأهالي وقوات الشرطة، تم الكشف عن مخطط لتطوير الجزيرة، تُشرف عليه شركة إماراتية تدعى "أر إس بي" للتخطيط المعماري، وأخرى تدعى "كيوب" للاستشارات الهندسية، ومقرها القاهرة.