الوجهة: يوتوبيا

13 يوليو 2019
الصورة
(لِلي ميخاليدس)
+ الخط -

"لا أحد يغادر الوطن/ ما لم يكن الوطن فمَّ قرش"

ورسان شاير، شاعرة صومالية بريطانية


التقيا في المحطّة. استقلّا القطار نفسه الذي كان يتّجه شمالاً. لقد كانا محاطَين بأشخاص مثلهم، يبحثون عن مدينة فاضلة وعيونهم الذابِلةُ تعكس حالة من عدم اليقين، أو كما لو أنهم يغرقون في نوم أعمى. لكن كان هناك أيضاً بعض الأشخاص الذين يبحثون عن أراضٍ جديدة بعيدة يزرعون فيها مستقبلهم، يثبتون فيها جذور حياتهم الجديدة، للهرب من القنابل التي تنفجر من حولهم.

لفحها نسيم بارد عبر من خلال فجوات عربة القطار، فجعل أفكارها تبدو هادئة، كما أخذ يلاعب خصلات شعرها. لقد قطعوا الكثير من المدن، من التلال وبساتين الزيتون، وأيضاً من البحيرات التي تتحدّث في ما بينها بلغة هم فقط من يفهمونها، والأنهار التي كانت تسير في نفس اتجاه مسارات السكك الحديدية، لم يكن أحد من الموجودين في القطار ينظر إلى ما وراءه.

كان القطار يتبع مساره المُحدّد... يتوقّف في المحطّات المحدّدة، تاركاً خلفه في كلّ مرّة بعض الأشخاص، تعمَّق الظلام ببطء وخفّت الأنوار في العربة.

بدأت تتذكّر حياتها عندما كانت تعيش في مدينة محاطة بالأسلاك الشائكة، ومن أجل الذهاب من مكان إلى آخر، كان عليهم إظهار بطاقات هويتهم مرّتين لأشخاص متعجرفين في تعاملهم، يرتدون أقنعة على وجوههم. شيء في داخلها يريد أن ينسى كل هذا، لكن على الرغم من ذلك تتذكّره كل لحظة.

في الوقت نفسه في حلب، كان هناك طابور غير منتهٍ من الأشخاص الذين يغادرون المدينة قبل سقوطها، لقدت بدت المدينة لهم متصدّعة ومُدَمْرةُ وعاجزة - لم يكن لهم رفيق في رحلة من الخروج من المدينة سوى ضوء الشمس الذي يلفح وجوههم، وأصوات أنفاسهم اللاهثة - لقد كان العرق يُغطّي كلَّ أجسادهم، ويسقطون على الأرض من شدّة التعب، وأقدامهم تكافح من أجل الخروج من الوحل، والذهاب إلى أبعد مكان.

كانت تتذكّر نزهاتهم في الحديقة عند شجر الأوكالبتوس الأرجواني والصنوبر- في الخريف، كانوا يجمعون حبوب الصنوبر، ومن فوقهم كانت الغيوم تشي بقدوم فصل الشتاء. كانوا يسيرون غير مبالين بأي شيء حولهم، طريقة غير جيّدة للدفاع عن النفس.

في تلك الأثناء، كانت التقارير الإخبارية تجوب العالم، وكان السياسيّون يعيشون في حالة من التخبّط. في الوقت نفسه في دمشق، ألقى السياسيّون خطاباتهم، وهم يرتدون ملابس رسمية، ويضعون خططاً لهدنة تحت القباب الفاخرة، وهم يحتسون شرب العرق في كؤوس الكريستال. بالطبع، بالطبع كانت القنابل تقلقهم، لكن لم تكن الأحياء في الموصل انهارت بعد.

كانت تتذكّر تلك الليلة التي توحّد فيها قلباهما وتلامست فيها شفاههما، مما جعل السماء تتوارى في أول منحنى يقابلها وتتّخذ طريقها كي تختفي داخل الغابة، لم يتوقّعا حدوث شيء كهذا - الرسالة الأولى والوحيدة التي كتبها لها؛ كانت كلماتها كما لو أنها تدور وتتبع منحنيات أجسادهم.

في نفس الوقت في سورية، كانت الرياح تضرب منحنيات الجثث، بينما ينتحب وهو يشاهد الأرواح تُزهق، والأعين تبيض وتجحظ الواحدة تلو الأخرى؛ كانت هناك الكثير من الروائح الكريهة تملأ المكان، وأيضاً الدخان، والغبار، وصوت حشرجة الأرض التي تلفظ أنفاسها، سلك طريقه عبر دوّامات البحار، إلى أن وصل إلى أول جزيرة1 قابلته، فألقى بجسده عليها كي يرتاح.

أطبق عليه ليل دامس- لم يشأ إلّا أن يتحسّسها بأصابعه مثل توما الرسول ليتأكّد من أنها لا زالت تتنفس، وأنها لا زالت تنبض بالحياة، وليتأكّد من معالم وجهها؛ بعدها أغلق عينيه وهو يهمس لنفسه: "ليس من السهل أن تُخدَع حاسة اللمس".

قال لها: "سنصل قريباً".

قالت له: "إلى أين؟"

ليس لدى القطار أي فكرة عن الشحنة التي يحملها، كما أنه لا يهتم لمعاناة الناس المتغيّرة باستمرار، لا يهمّه إن كان الناس يسافرون بحثاً عن مدينة فاضلة أو عن مجهول غامض، هو يتوقّف عند المحطة المحدّدة، وينتظر الوقت المحدّد، ثم يرحل على عجل دون أي وداع، دون دموع، ويختفي على القضبان.

بقيا وحدهما لبعض اللحظات على رصيف المحطّة، شعرا بتيار من الهواء البارد يلامس جسديهما، تماماً كما كان يحدث عندما تمتلئ السماء بالسحب مسبّبةً عواصف مفاجئة.

على الرصيف بالقرب منهما، كانت هناك امرأة شابة تُرضع طفلها الوليد، كانت عيناها الخضراء التي تشبه لون زيت الزيتون تبدو مليئة بالحزن، بينما تتساقط دموعها الممزوجة بالكثير من التساؤلات على صدرها العاري؛ كانت تُرضع طفلها الحليب والدموع معاً.

مرَّ نور خاطف فأضاء المكان للحظات، حدّقوا في بعضهم البعض وشعروا كما لو أن هناك إبرة تحيك حياتها بحياتهم بخيط سميك.


* Lily Michaelides شاعرة وكاتبة من مواليد مدينة نيقوسيا، حيث تعيش وتعمل اليوم. صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية عن "منشورات غفوستيس" في أثينا؛ هي: "كيمياء الزمن" (2001)، و"أشكال وطرق في الإغاثة" (2003)، و"ذكرى الفجر" (2004)، والتي صدرت باللغتين اليونانية والإنكليزية. ومن كتاباتها النثرية: "المدينة لا تحتاج لتوصيات" (2011)، و"قطرات من شعب الماساي" (2017).

** ترجمة عن اليونانية محمد عبد العزيز


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المقصود جزيرة قبرص التي تقطع على مسافة مئة كيلومتر فقط من الحدود السورية