الواقع الجيوسياسي بعد أوسلو

الواقع الجيوسياسي بعد أوسلو

24 اغسطس 2017
+ الخط -
جرى تقسيم الضفّة الغربية في اتفاق أوسلو إلى ثلاث مناطق:

مناطق أ - ب: يسكنها 93% من سكان الضفة الغربية، وتبلغ مساحتها نحو 40% من مساحة الضفة، تمّ نقل هذه المنطقة رسميًا إلى السلطة الفلسطينية لتكون تحت سيطرتها، ليس هنالك تواصُل جغرافيّ بين هذه المناطق، وهي مكوّنة فعليا من عشرات الجزر المتناثرة  تفصل بينها الكتل الاستيطانية والجدار الفاصل وحواجز الاحتلال، ويمكن ببساطة قطع خطوط التواصل بينها عبر بعض الحواجز العسكرية على مفارق الطرق الرئيسية.

مناطق ج: تشكّل حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيل الكاملة، وهي تحتوي على معظم الموارد الطبيعية الفلسطينية، وتضم كافة المستوطنات، وعدد سكانها الفلسطينيين لا يتجاوز 300 ألف مواطن.

 كان من المفروض أن ينتهيّ هذا التقسيم في عام 1999، ولكنه يترسخ يوما بعد يوم.

برغم أنّ الغالبيّة العظمى من سكّان الضفة الغربية يعيشون في مناطق أ وب، إلاّ أنّ الأرض اللازمة لتطوير وتنمية القرى والمدن الفلسطينية قد بقيت ضمن المناطق ج، وأيّ استخدام لهذه الأراضي لغرض السكن، او إقامة المصانع والمنشآت الزراعية، ومدّ شبكات المياه وتعبيد الطرق٬ يحتاج إلى مصادقة من إسرائيل، وهي تمتنع عن ذلك في معظم الأحيان، بل وتقوم بشكل متواصل بأعمال الهدم والتدمير وممارسة الضغط على المواطنين الفلسطينيين لتهجيرهم من أراضيهم. 

القيود التي تفرضها إسرائيل على الحياة في مناطق ج، وسيطرتها على الحدود بين الضفة والأردن، وعلى جميع الطرق المؤدّية إلى المناطق أ وب،  وامتلاكها الصلاحيّة المطلقة  لتقرّر أيّ البضائع تدخل إلى الضفّة - عبر الاتفاقيات السياسية والاقتصادية المعقودة مع منظمة التحرير- جعل من الواقع الاقتصادي والسياسي في الضفة محكوماً تماماً بالسيطرة الإسرائيلية، وعملياً فإن سيطرة السلطة الفلسطينية شكلية ومحدودة ومرتهنة للرضا الإسرائيلي.

إسرائيل، أيضاً، ما زالت تفرض سيطرتها على جميع سكّان الضفة الغربية الخاضعين شكليًا للسلطة الفلسطينية، فالانتقال من مدينة إلى مدينة يتطلّب المرور عبر حواجز الاحتلال، كذلك فإن قوات الاحتلال تدخل باستمرار إلى المناطق أ وب وتقوم بأعمال الاعتقال والقتل وهدم المنازل، وسكّان الضفة الغربية جميعهم لا يستطيعون السفر إلى الخارج دون إذن إسرائيلي، كما أنّ المواطنين الأجانب لا يمكنهم الدخول إلى الضفة دون إذن من إسرائيل.

سلوك الاحتلال في الضفة الغربية يتسم بالتمييز العنصري، فهي تصادر الأراضي الفلسطينية، وتشق الشوارع لخدمة المستوطنين، وتقيم مناطق صناعية استيطانية، وتستغلّ الموارد الطبيعية من مياه وصخور وأرض زراعية لصالح مستوطنيها، وتقيم المستوطنات والمواقع العسكرية على الأراضي الفلسطينية المصادرة، ومن جهة أخرى، تتنصّل من أيّة مسؤولية تجاه سكان الضفة الفلسطينيين، الذين يعيشون منذ نحو خمسين سنة تحت حكم عسكريّ صارم يخدم أوّلاً وقبل كلّ شيء مصالح إسرائيل والمستوطنين، وذلك بحجة أن هؤلاء الفلسطينيين لديهم سلطة فلسطينية تدير شؤون حياتهم.

أُقيمت المئات من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وبعض هذه المستوطنات أصبحت مدناً ضخمة كأرئيل ومعلي أدوميم، ولإقامتها صودرت مئات آلاف الدونمات من المراعي والأراضي الزراعية، كما تم تحويل مئات الألوف من الدونمات إلى "أراضي دولة"، وبدلاً من تخصيص هذه الأراضي لخدمة السكان الفلسطينيين؛ باتت رصيداً استراتيجياً للاستيطان، جميع المستوطنات والأراضي المحيطة بها أُعلنت "مناطق عسكرية مغلقة" يُمنع الفلسطينيون من دخولها دون إذن مسبق، والجدار الفاصل أقيم على أراضي المواطنين الفلسطينيين بحيث يضم العدد الأكبر من المستوطنات لحدود دولة الاحتلال.

وفي ظل هذا الواقع، يأتيك بعض الفلسطينيين الرسميين من جماعة أوسلو ليحدثوك عن المفاوضات، وعن الدولة المستقلة والسيادة الوطنية، وعن المقامات العليا، ويفرضون قوانين الجرائم الإلكترونية التي تمنعك من مجرد التعبير عن رأيك، ويسهبون في الحديث عن إنجازاتهم الديبلوماسية... ولله في خلقه شؤون.