الهيمنة الأميركية تعتمد على عولمة المال والتجارة وليس الانغلاق

24 ديسمبر 2016
الصورة
قوة الدولار الأميركي تهدد اقتصادات دول (Getty)
+ الخط -


هل يمكن أن يتخلى الرئيس المنتخب، دونالد ترامب، عن العولمة، وفقاً للتصريحات التي أدلى بها حول الانسحاب من الكتل الاقتصادية وفرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع والخدمات المستوردة من الدول الأخرى، أو حتى محاصرة الشركات الأميركية التي تنتج في الخارج عبر معاقبتها برفع الضرائب؟
هذا السؤال بات محور بحث بين العديد من مراكز الدراسات الاستراتيجية داخل وخارج الولايات المتحدة، لأن تنفيذه سيعني تغييراً جذرياً في مجرى السياسات المالية والاقتصادية العالمية، كما أن عزل أميركا عن التكتلات الاقتصادية ومنظمات المال والنقد، سيعني ربما نهاية مكانتها كدولة عظمى وحيدة في العالم.  

العديد من خبراء المال والاقتصاد يرون أن المؤسسات الأميركية التي بنت مجد أميركا كـ" قطب أحادي" في العالم ربما لن تسمح له إلا بإجراء تحولات طفيفة. وذلك ببساطة لأن النظام العالمي مبنٍي على العولمة التجارية والمالية والنقدية والاقتصادية التي كرستها الولايات المتحدة في أعقاب انتصارها على الإمبراطورية الشيوعية، ومن خلال أدواته ااصبحت  الدولة العظمى الوحيدة في العالم.
وعلى الرغم من المحاولات التي تقوم بها كل من روسيا والصين والدول المتحالفة معها المعروفة باسم" بريكس"، ظلت الولايات المتحدة بما تملكه من أدوات مالية ونقدية هي المهيمنة على النظام العالمي.

خلفية تاريخية

الولايات المتحدة، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت الدولة العظمى التي تقود النظم الرأسمالية في مقابل الكتلة الشيوعية التي تقودها روسيا ضمن منظومة دول"الاتحاد السوفييتي".
خلال تلك الفترة طبقت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء، أو المحاصرة للنظام الشيوعي، عسكرياً وسياسياً واقتصاديا ومالياً، فيما عرف حتى العام 1989 بالحرب الباردة بين الشرق والغرب.
وسياسة الإحتواء ظلت محور السياسة الخارجية الأميركية، التي تطبقها حتى بعد انتصارها على المعسكر الشيوعي، واصبح الحظر الاقتصادي والمالي والمنع من استخدام الدولار ونظام "سويفت"، أهم أدواتها. 

ولكن ومنذ سقوط حائط برلين وتفتت الإمبراطورية الشيوعية، أصبح العالم تقوده أميركا كقوى عظمى منفردة وحيدة في العالم. ولتأكيد استمرارية هيمنتها على العالم، ابتدعت  واشنطن "نظام العولمة"، وهو ما يعني فتح الحدود بين الدول وتحويل العالم إلى قرية صغيرة.
لكنها لم تطبقها يشكل شامل على جميع المناحي وإنما طبقتها بشكل استثنائي على نظم التجارة والاقتصاد والتمويل والتقنية التي تتفوق فيها على باقي العالم ويمكنها السيطرة عليها، واستخدمت في ذلك إلى جانب شركاتها المالية وشركات التقنية وسياسات الفائدة على الدولار، المؤسسات الدولية التي تتحكم في قرارها مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ومجموعة السبع ومنظمة التجارة العالمية.

عبر هذا النظام، أي العولمة تمكنت الإدارات الأميركية المتعاقبة في واشنطن من الهيمنة على العالم، والاستمرار في تهديد مصائر العديد من النظم التي تختلف معها سياسياً، أو حتى تثبيت النظم التي تخدم مصالحها السياسية وإن كانت غير ديمقراطية وغير مرغوبة من شعوبها.
ويلاحظ أنه خلال العقدين الماضيين، أتاح نظام العولمة وأدواته من الدولار وسياسة الفائدة المصرفية، لشركات مثل" سيتي غروب" و" جي بي مورغان" وغوغل ومايكروسوفت وأبل تكوين ثروات مالية هائلة، تفوق ثروات العديد من دول العالم والسيطرة تدريجياً على اقتصاديات الدول ووسائل الاتصال والإنتريت.

ويعد مجلس الاحتياط الفدرالي" البنك المركزي الأميركي"، حجر الزاوية أو الركن الرئيسي في تنفيذ هذه السياسات. حيث إن البنك المركزي الأميركي وعبر السياسات النقدية المتشددة، والتي تعني رفع أسعار الفائدة، أو السياسات النقدية المرنة مثل سياسة" التيسير الكمي"، التي تعني الفائدة الأميركية الصفرية وضخ الدولارات المجانية في الشركات الأميركية، يحدد أسعار صرف العملات في العالم ومستويات التضخم والنمو الاقتصادي.

هيمنة الدولار

يمكن ملاحظة الدور الذي يلعبه مصرف الإحتياط الفدرالي، عبر تحديد سعر الفائدة وسعر صرف الدولار على الاقتصاد العالمي من خلال الأرقام التي تنشرها مؤسسات دولية، للتعرف على ان الرئيس الجديد دونالد ترامب سيجد صعوبة في تنفيذ سياسات انغلاقية أو حتى منع المصارف الأميركية وشركات التقنية من ممارسة دورها في توجيه دفة الاقتصاد العالمي. حسب إحصائيات بنك التسويات الدولية الأخيرة فإن 90% من صفقات سوق الصرف العالمية التي بلغت 5.3 ترليونات دولار في العام الماضي، كانت مرتبطة بالدولار الأميركي.
كما تشير إحصائيات "سويفت" الى أن 80% من عمليات تمويل الصفقات التجارية التي نفذت خلال العام 2013 تم تسويتها بالدولار.

من جانبه يقول صندوق النقد الدولي في إحصائياته الأخيرة، إن اجمالي احتياطات البنوك المركزية العالمية من العملات الصعبة بلغت في نهاية الربع الثالث من العام الماضي 11.434 تريليون دولار من بينها 6.1 تريليونات دولار بالعملات الصعبة، حيث بلغ نصيب الدولار منها حوالى 3.8 تريليونات دولار وبنسبة تفوق 61%.
من جانبه يقول الاقتصادي الأميركي، الدكتور وليام تي ويلسون، في بحث قيم عن سلطة العملة الأميركية على العالم، إن الدولار يمنح أميركا مزايا عديدة تجعل منها الدول المهيمنة على الاقتصاد العالمي من بين هذه المزايا، أولاً: أن الدولار الذي تبلغ كلفة طباعة ورقة من فئة مائة دولار منه بحوالى 12.5 دولاراً، يشتري موجودات حقيقية في أميركا وباقي دول العالم قيمتها 100 دولار.

ثانياً: تستطيع أميركا كدولة مصدرة للدولار الاستدانة المفرطة وبنسبة فائدة منخفضة لتمويل عجز الميزانية، من دون أن يؤثر ذلك على تصنيفها الائتماني عالمياً.
ثالثاً: يمنح الدولار قوة تنافسية للشركات الأميركية في التصدير والاستيراد والاقتراض مقارنة بالشركات الأخرى، فهي تقترض بنسبة فائدة منخفضة وأقل عرضة لتقلبات سوق الصرف العالمية.
رابعاً: يمنح ميزة تنافسية للبنوك الأميركية، حيث تحصل هذه البنوك على الدولار بسعر فائدة رخيص وتبيعه بسعر مرتفع، كما أنها وسيط رئيسي في جميع الصفقات المنفذة بالدولار داخل وخارج أميركا.



دلالات

المساهمون