الهوية والمواطنة في دساتير الربيع العربي؟

04 يوليو 2014
الصورة

جلسة للمجلس التأسيسي التونسي احتفائية بالدستور (فبراير/2014/فرانس برس)

+ الخط -

كان للسياق التاريخي دوره الحاسم في بصم دساتير الربيع العربي بطابع النصوص الموزعة بين هاجسي الهوية والمواطَنة. فمن جهةٍ، شكلت هذه الدساتير موضوعاً وهدفاً لموجة تصاعد خطابات الهوية، كإحدى الآثار المباشرة لدينامية ما عُرف بـ"الربيع العربي"، ومن جهة أخرى، أسهم انفتاح معادلة كتابة الدستور على فاعلين جدد، يمثلون تعبيرات مدنية وحقوقية واجتماعية، في الانتقال من رهان السلطة، هاجساً وحيداً لصنّاع الدساتير، إلى تلمّس محاولة إنتاج جيل من الدساتير يُعنى كذلك بالتأصيل للمواطنة والحقوق.
ولعلّ هذا ما جعل من مطلبي إعادة بناء الهوية "الوطنية"، والتأسيس الدستوري للمواطنة، محورين مهيكلين للحوار العمومي الواسع الذي شهدته بلدان الربيع، في المرحلة ما بعد انفجارات 2011.
وإذا كان حضور خطابات الهوية والمواطنة، في هذا الحوار، قد تميّز بالتضخم، كما وصل في بعض الحالات إلى وضعية "تقاطبات" حادة بين الفاعلين السياسيين، فإن الصيغة النهائية التي ستظهر بها هذه الدساتير ستكون، في النهاية، حاملةً توترات قيمية واضحة، بين مرجعيتي "الهوية"، بإحالاتها على منطق الخصوصية، و"المواطنة" بإحالاتها على منطق الكونية.
لذلك، إن جزءاً من الصراع حول سياسات الهوية، في لحظة ما، في 2011، كان بالنسبة لبعض الباحثين يكمن، بالضبط، في اختزال الهوية في بُعد واحدٍ، وتأسيس الانتماء على ذلك البعد، ما من شأنه ألا يحترم تعقُّد واقع الهوية وتشابكاتها.
هكذا، داخل لحظة التقاطب والتفاوض والتنافس بين الادعاءات الهوياتية، برز الرهان على الجواب الدستوري، ما أضاف إلى مسار الدسترة المعقدة في المرحلة الانتقالية التي تلت الثورات سبباً جديداً للتوتر، هو سؤال الهوية.

بعيداً عن أي تجريدٍ في وصف طبيعة تفاعل الوثائق الدستورية مع الادعاءات الهوياتية المنفجرة، بعد الثورات، يمكن استعراض الحالات المتحققة حتى الآن، انطلاقاً من حالة الدستور المصري الأول بعد الثورة، (دستور الهيمنة الأيديولوجية)، حيث مُحاولة دسترة الادعاءات الهوياتية للفاعلين "المهيمنين" أيديولوجياً، ضمن خريطة موازين القوى، ثم حالة الدستور المصري الثاني، (دستور الغَلَبة السياسية)، حيث يحضر هاجس تعطيل مظاهر "الدستور الثقافي" الحاضرة في دستور 2012، فحالة الدستور التونسي (التوافقي) الذي يقدم معالجة توافقية بين الادعاءات الهوياتية المتقاطبة، ويُغلّب روح التسوية على منطقي الهيمنة أو الغلبة.
مغربياً، شكل الدستور المغربي لحظةً للترضيات بين مختلف الادعاءات الهوياتية، ما جعل الوثيقة الأسمى تختار دسترة الهويات الفرعية منطلق الترضية هذا، هو الذي جعل البناء المرجعي للدستور غارقاً في التباسات اللغتين، الدينية والمدنية، بشكلٍ يسمح بتقديم حجج للدفاع عن إسلامية الدولية، كما يسمح بتقديم حجج مضادة للدفاع عن مدنية الدولة. وهذا ما يجعل الدستور يحاول القفز على مواضيع القضايا الخلافية، ويساهم في إنعاش خطابات الهوية، وهي خطاباتٌ، لاحظ متتبعون كثيرون أنها لا تسعف، دائماً، على انبثاق مفهوم المواطنة وثقافة حقوق الإنسان، خصوصاً إذا اهتمت بمنطق المحاصصة بين الهويات الفرعية، وليس بمنطق الهوية الجامعة.
مؤكد أن هذه الالتباسات من شأنها أن تغذي التوتر القيمي والمعياري الذي ينتجه النص، وينعكس على تجاذبات القراءة التأويلية، بين الديني والهوياتي والخصوصي من جهة، وبين الكوني والحقوقي من جهة أخرى، وهي تجاذبات تبدو بعض مقتضيات دساتير الربيع قابلة لها، مثل حالة الفصل 19 من الدستور المغربي الذي يجعل تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات مشروطاً بنطاق ثوابت المملكة، أو حالة الالتزام الوارد في التصدير بجعل الاتفاقيات الدولية تسمو على التشريعات الوطنية، لكن، في نطاق هوية المغرب الراسخة.
ولا شك أن هذا التوتر مردّه إلى عدم الحسم في المرجعية التي ستؤطر المجتمع، وهذا ما يعني استمرارية التوافقات الغامضة والهشة على حساب الاختيارات السياسية والثقافية الواضحة، المتعلقة بالمشروع المجتمعي للبلدان العربية.
فإذا كان سياق دستورانية الربيع قد حَمَّل الوثائق التأسيسية وِزر الجواب على إشكاليات ثقافية ومجتمعية عميقة ومعقدة، فإنه لا بد من التساؤل عن حُدود هذه المعالجات القانونية/ الدستورية/ السياسية، للتقاطبات الهوياتية؟ انطلقت هذه المعالجات من هاجس التسويات التكتيكية أو من هاجس دسترة الادعاءات الهوياتية للفاعل المُنتصر في جولة التدافع السياسي لمرحلة ما بعد اليوم التالي للثورة.
وهذا ما يجعل، في نهاية التحليل، من هذه الأسئلة الثقافية والقيمية، بالنظر إلى حجمها وطبيعتها، تتجاوز سقف الجواب الدستوري والقانوني وإمكاناته. وهذا ما يعني، بعبارة أخرى، أنه لا يمكن بسهولة الإقرار بأهمية دساتير ما بعد 2011، كوثائق للحقوق وكنصوص للمواطنة، من دون إثارة الانتباه الى التوترات التأويلية التي قد تعرفها هاته الوثائق على ضوء "تناقضها المحتمل" مع مكونات الدستور الثقافي، دستور الهوية.