الهوية الوطنية الفلسطينية... تراكمات التاريخ والاستعمار

21 مايو 2017
الصورة
جندي بريطاني يحتجز فلسطينيين في القدس، 26 أكتوبر 1938(Getty)
+ الخط -

رغم القواسم المشتركة والتداخل بين الهوية الوطنية الفلسطينية والهوية العربية والإسلامية، إلا أن الهوية الوطنية الفلسطينية تميزت بسمات خاصة اكتسبتها تراكمياً في سياق تاريخي طويل صاحب حالة الاحتلال، بدايةً بالاستعمار البريطاني ومن ثم الكيان الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، فقد تجاوزت مشتركات الدين واللغة والتاريخ والعادات والثقافة والبقعة الجغرافية إلى الإحساس الجمعي بمرارة اللجوء وروح التضحية والمقاومة والسعي نحو تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني بكنس الاحتلال وتحقيق المصير. 

لقد شكلت المقاومة بأشكالها المختلفة، ورفض الاحتلال وتوابعه، والإصرار على إثبات الوجود ومواجهة كافة أشكال الطمس والتغييب، الملمح الأساس المكون للهوية الوطنية، عززتها أحياناً ثورات الشعب الفلسطيني وانتفاضاته المتتابعة، وأحياناً أخرى تنكمش نسبياً مع تراجع الفعل النضالي لأسباب ذاتية أو ظروف إقليمية أو دولية ضاغطة، لذلك شكلت ثورة عام 1936 والنكبة عام 1948 ثم النكسة وتشكل منظمة التحرير الفلسطينية، والانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية وحالة الصمود والمقاومة في غزة محطات هامة ساهمت في بلورة الهوية الوطنية أو الحفاظ عليها، رغم ما صاحبها أحياناً من مآس وإخفاقات للشعب الفلسطيني.


وحتى زمن الانكسارات والتراجعات وشيوع روح الانهزامية خصوصا بعد النكسة، ومحاصرة الثورة الفلسطينية في بيروت وإجبارها على الخروج في أصقاع الأرض، أو زمن أوسلو وقطار المفاوضات الذي لم يصل إلى أي محطة بل إلى التماهي مع الرؤية الصهيونية والخضوع الكامل لمطالب الاحتلال، حتى في هذه الأوقات كانت المقاومة بجوهرها العسكري وأشكالها الأخرى وروح التحدي والصمود والثبات على الأرض صمام الأمان والجدار الحامي للهوية الوطنية الفلسطينية، وحالت دون حرف البوصلة وتشويه المسارات وصد المحاولات الإقليمية والدولية، وحتى الفلسطينية، للنيل منها.

ووفقاً للصيرورة التاريخية لتطور القضية الفلسطينية وما تعرض له الشعب الفلسطيني من حروب ومؤامرات وبفعل حقيقي لمصادرة حقه والالتفاف على مساعيه لتحقيق أهدافه الكبرى المشروعة، فإن الهوية الفلسطينية مرت بأربع مراحل رئيسية:

المرحلة الأولى: بلورة الهوية الوطنية والنكبة

دشن الاستيطان الإحلالي والاستيلاء على الأرض الفلسطينية على أرضية وعد (إعلان) بلفور المشؤوم والانتداب البريطاني لفلسطين بعد هزيمة الدولة العثمانية بعد عام 1918 ميلادية، البدايات الأولى لبلورة الهوية الوطنية الفلسطينية، فالاستيطان الصهيوني أوجد إحساساً عاماً بتهديد وجودي للكينونة الفلسطينية، وللأماكن المقدسة التي هي جزء من الهوية الإسلامية ليس للفلسطينيين بل للمسلمين جميعاً في العالم، وهو ما دفع الشعب الفلسطيني إلى الانتفاض عفوياً كما في ثورة البراق عام 1929م، أو في سياق أكثر تنظيماً كما في ثورة عام 1936، والتي شاركت فيها قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني لثلاث سنوات متتابعة، بمحصلة آلاف من الشهداء والجرحى وأضعاف ذلك من المعتقلين. وبعد سنوات ليست بطويلة حدثت النكبة بقيام دولة "إسرائيل" وتشريد أكثر من 700 ألف فلسطيني، أوجد الشتات الفلسطيني مع الآلام والمعاناة والتشرد بعداً أخر للهوية الوطنية، هوية اللاجئ الفلسطيني الذي تقطعت به السبل وفقد أملاكه ومصدر رزقه وأرضه التي اقتلع منها، ولم يجد أمامه سوى الاستثمار في العلم والإنتاج المعرفي ليكونا لبنات أساسية في المساهمة النهضوية لكثير من البلدان العربية، خصوصاً الخليجية منها مع الإحساس العميق الذي يربطه بأرضه وشعبه والولاء لقضيته.

المرحلة الثانية: تجسيد الشخصية الفلسطينية والنكسة

تسلل الإحباط إلى نفوس الشعب الفلسطيني بعد أن خيب النظام العربي تطلعاته وطموحاته وخيب آماله في تحقيق عودته إلى أرضه، وفي تفكيك المشروع الصهيوني بعد أن بدأ في ترسيخ نفوذه كما حصل في العدوان الثلاثي عام 1956، لذلك شعر الشعب الفلسطيني بأن هويته الوطنية آيلة إلى الذوبان مع غياب المكون الأساسي وهو المقاومة والوقوف في وجه هذا المشروع، لذلك فرضت الحاجة نفسها مع بداية عقد ستينيات القرن العشرين، وأفضت إلى تشكل هياكل تنظيمية للمبادرة والاشتباك مع الصهاينة، وهُيئت الأرضية بعد ذلك لتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية بميثاقها ومؤسساتها، وتجسدت الكيانية الفلسطينية لأول مرة بشكل مؤسسي من خلال منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست عام 1965 بقرار من النظام العربي الرسمي، لذلك أضفت المنظمة بامتداداتها في الشتات بعداً مؤسساتياً للهوية الفلسطينية يعبر عنها ويتحدث باسمها وفوق كل ذلك ينظم الحالة الثورية، ويوحد صفوفها بتبني الكفاح المسلح منهجاً وسلوكاً كخيار وحيد لإنجاز مشروع التحرير، بينما المنظمة في طور التأسيس وترسيخ وجودها إذا بالنكسة تكمل مشهد اللجوء وتضاعف أعداد اللاجئين وترفع مستوى الهواجس لدى الشعب الفلسطيني بتأكل هويته وضياع ما تبقى من أرضه، وعقم النظام العربي الرسمي الذي اجتهد في التخلي عن دوره الوطني اتجاه القضية الفلسطينية، وفي ردة فعل سريعة وبعد معركة الكرامة في آذار 1968 أثبتت الفصائل الفلسطينية قدرتها على مواجهة المحتل واجتراح المعجزات، وعلى خلفية النكسة وتداعياتها تضخم الوجود الفلسطيني المسلح في الأردن وبرز تناقض واضح بين النظام الأردني والفصائل الفلسطينية أفضى إلى الصدام المسلح فيما عرف في الأدبيات الفلسطينية بأيلول الأسود (1970-1971)، تكرر التناقض مرة أخرى ولكن هذه المرة على الساحة اللبنانية في صدام استمر لسنوات وهو في المحصلة أضعف البعد العربي التضامني في الهوية الوطنية الفلسطينية بحرف البوصلة الثورية وتوجيهها نحو العمق العربي، الحالة الثورية المؤقتة في لبنان انتهت عملياً بخروج فصائل منظمة التحرير الفلسطينية منها بعد حصار بيروت عام 1982م، وبعد ملحمة طويلة أعادت الاعتبار للبندقية الفلسطينية في اقتراب أكثر من جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية.

المرحلة الثالثة: الانتفاضة المجيدة

أضعف الخروج الثوري الفلسطيني من لبنان وتشتته بعيداً عن مركز الصراع الحقيقي والتناقض الأساس الحضور الفلسطيني الشعبي والرسمي على الأجندات الإقليمية والدولية، غير أن الانتفاضة الشعبية المجيدة عام 1987 أكدت من جديد قدرة الشعب الفلسطيني على رفع شأن هويته الوطنية والوقوف سدا منيعا للحيلولة دون ذوبانها، وكما أبدعت في إضفاء أشكال جديدة من النضال بمشاركة الطفل الفلسطيني بحجارته المتواضعة في مشهد جليل نجح في لفت انتباه العالم بأسرع من الفعل المسلح في الأردن ولبنان، كما دشنت مرحلة جديدة عنوانها الداخل الفلسطيني وإمساكه بزمام المبادرة.

المرحلة الرابعة: أوسلو وتشويه الهوية

كان الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات على أمل أن يحقق اتفاق أوسلو والاعتراف المتبادل بعض أهداف المشروع الوطني،
ولكن وما أن مرت عدة سنوات حتى انكشفت الخديعة الصهيونية وأهداف "إسرائيل" الحقيقية في محاصرة مشروع المقاومة والتخلص من المناطق ذات الكثافة السكانية وإقامة سلطة تابعة للاحتلال تحافظ على أمن المستوطنين، اتفاق أوسلو والاتفاقيات التي تلته أوجدت واقعاً جديداً ساهم في تشويه الهوية الوطنية الفلسطينية من عدة نواحٍ:

- عمل على إضعاف المقاومة جوهر الهوية الوطنية وتغييبهاً لسنوات طويلة في غزة، والآن في الضفة الغربية.
- ساهم في إفراغ منظمة التحرير من مضمونها الثوري وتحولت إلى أداة بيد حفنة متنفذة بعيداً عن مؤسسات المنظمة المغيبة بالكامل، وتحولت إلى خنجر في ظهر الشعب الفلسطيني عندما تم توظيفها لتقديم تنازلات باسم الشعب الفلسطيني وفي إطفاء الشرعية على تسوية انتهت منذ عام 2000.
- أحدث شرخاً عميقاً بين صفوف الشعب الفلسطيني، واختزل المشروع الوطني في فلسطينيي الضفة الغربية ومطالبهم الحياتية.

أوسلو والواقع الذي أوجده وافتراق الحركة الوطنية على أساس مشروع المقاومة والتسوية أدت في النهاية إلى الصدام المسلح عام 2007 بعد رفض التعامل مع ما أفرزته نتائج الانتخابات وتدحرج الأمور وصولاً إلى الانقسام الذي ما زالت القضية الفلسطينية تكتوي بسلبياته.

ومع حالة الانقسام وتعمقها يوماً بعد يوم كان التحدي "الإسرائيلي" شاخصاً، وأجندات اليمين الصهيوني المتطرف المسنودة شعبياً لا تدع مجالاً للاجتهاد، فمخططات تصفية القضية الفلسطينية وفي محورها الأساس الهوية الوطنية الفلسطينية تجد لها ترجمة عملية على أرض الواقع في ظل ظروف إقليمية ودولية مواتية، فالقدس ومقدساتها الإسلامية والضفة الغربية تمر الأن بأخطر مرحلة تغير ديموغرافي وجغرافي بما يطمس الهوية الإسلامية العربية للقدس ويغير الواقع الجغرافي بسرطان الاستيطان في الضفة الغربية، ولا تبعد القدس سوى بضع سنوات عن إكمال مخطط إضفاء الطابع اليهودي التوراتي بدل الطابع الإسلامي المميز للهوية الإسلامية عبر تاريخها الطويل، وعلى القضاء على روح المقاومة بعد تفكيك بنيانها العضوي في الضفة الغربية، والسيطرة على 60% من مساحتها، وحشر الفلسطينيين في ما تبقى من مساحة الضفة في كانتونات ومعازل يجعل من المستحيل قيام كيان فلسطيني بتواصل جغرافي، أما غزة فيراد لها أن تتخلى عن سلاحها وإلحاقها بركب التسوية تحت ضغط الحصار المتواصل منذ عشرة سنوات، أو كيان أقل من دولة وأكثر من سلطة حكم ذاتي مقابل الانسلاخ عن بقية الجغرافيا الفلسطينية والتخلي عن مشروع التحرير.

ولكن رغم واقع أوسلو المرير والمخطط "الإسرائيلي" بمشاركة السلطة والنظام العربي الرسمي أو ما عرف بدول الاعتدال العربي، إلا أن المقاومة وفي مقدمتها المسلحة خاصة في انتفاضة الأقصى ثم تشكيل نموذج المقاومة الفريد في غزة رغم الحصار وخوض ثلاث حروب صمدت فيها وفي المقاومة الفردية في الضفة والقدس، حافظت على جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية وأثارت انتباه العالم الذي كاد أن ينسى أو يتناسى الشعب الفلسطيني وقضيته، وحالت دون تمرير مخططات تصفية القضية الفلسطينية.

المساهمون