الهند في زمن الاضطهاد الديني: مليونا مواطن مسلم مهددون بالترحيل

01 سبتمبر 2019
الصورة
سكان آسام يسجلون أسماءهم في السجل الوطني(بيجو بورو/فرانس برس)
يزداد التوتر العرقي في الهند بفعل سياسات حزب "بهاراتيا جاناتا" اليميني القومي المتطرف، الحاكم بقيادة رئيس الوزراء نارندرا مودي. وبعد إلغاء المادة 370 من الدستور في الشق الهندي من إقليم كشمير التي كانت تمنحه حكماً ذاتياً، اتجهت الأنظار إلى ولاية آسام في شمالي شرق البلاد، على الحدود مع بنغلادش وميانمار، مع إعلان الحكومة استبعادها نحو مليوني اسم من قائمة بأسماء المواطنين في الولاية نُشرت أمس السبت، وذلك بعد عملية ضخمة تحت مسمى حملة "توثيق الجنسية" بدأت عام 2013 لفحص أوضاع المهاجرين "غير الشرعيين". هذه الخطوة يقول منتقدوها إنها استهدفت الأقلية المسلمة في الولاية، وسط مخاوف من إمكانية أن يصبحوا من دون جنسية.

وبموجب الحملة يتعيّن على جميع سكان الولاية، البالغ عددهم قرابة 33 مليون شخص، تقديم وثائق تثبت أن أجدادهم كانوا مواطنين هنودا قبل 24 مارس/آذار 1971، أي قبل قيام دولة بنغلادش. وأفاد حوالي 3.5 ملايين شخص في الولاية بأنهم يواجهون مشاكل بشأن تقديم تلك الوثائق. وذكر منسق السجل الوطني في الولاية، براتيك هاجيلا، في بيان، أن القائمة النهائية للسجل شملت 31.1 مليون مواطن، وهو ما يعني استبعاد 1.9 مليون اسم. وأضاف "على كل من يعترض على نتيجة فحص الطلبات والتظلمات أن يطعن عليها أمام محاكم الأجانب"، مضيفاً أنه سنحت للجميع فرصة استماع كافية. وأمام المستبعدين 120 يوماً لإثبات المواطنة أمام مئات الهيئات شبه القضائية في الأقاليم، والمعروفة باسم محاكم الأجانب. وإذا قضت هذه المحاكم بأن الشخص المعني لاجئ غير شرعي فبإمكانه الطعن أمام محاكم أعلى درجة.

ويمكن إعلان من رفضت استئنافهم المحاكم واستنفدوا جميع السبل القانونية الأخرى، كأجانب، ويجري نقلهم نظرياً إلى واحد من ستة مراكز احتجاز، تمهيداً لترحيلهم المحتمل، علماً أن بنغلادش لم تعلن بعد عن تعاونها مع الحكومة الهندية في هذا الصدد. وأعلن عن العمل على افتتاح عشرة مراكز احتجاز أخرى مماثلة. ويجري بناء مركز يتسع لثلاثة آلاف شخص في غوالبارا غرب غواهاتي، أكبر مدن آسام. وتضم المعسكرات حالياً 1135 شخصاً، وفق حكومة الولاية، وهي عاملة منذ سنوات. وقضى نور محمد البالغ 65 عاماً نحو 10 سنوات في معسكر مماثل، قبل أن تأمر المحكمة العليا بالإفراج عنه هذا الشهر. وقال: "لقد ولدت هنا وعشت في آسام طوال حياتي. لا أعرف ما إذا كان اسمي سيرد في السجل الوطني للمواطنين أو لا". وأفادت تقارير إعلامية عن أكثر من 40 حالة انتحار تسبب بها القلق حول السجل الوطني للمواطنين. وقال ساموجال بهاتاشارايا، من "اتحاد طلاب آسام"، إن التسجيل فيها ضروري من أجل حماية "أبناء التراب" الأصليين في آسام. وأكد "لسنا مستعدين للعيش هنا كمواطنين درجة ثانية".

ويتهم منتقدو الحزب الحاكم، مسؤوليه، بإذكاء مشاعر الاستياء من المهاجرين واستغلال عملية التسجيل لاستهداف المسلمين حتى وإن كانوا مواطنين. وخشية اندلاع أحداث العنف، قال مسؤولون في الولاية إنه لن يكون هناك إبعاد فوري لأي شخص. وأشاروا إلى أن عملية استئناف قضائية طويلة زمنياً ستتاح للجميع، على الرغم من أن ذلك يعني أن تعيش ملايين العائلات معلقة من دون وضع قانوني حتى اتخاذ القرار النهائي لحسم أوضاعهم القانونية. وفي الهند حوالي 170 مليون مسلم، ما يعادل 14 في المائة من السكان، وهو ما يجعلها أكبر دولة تضم أقلية مسلمة في العالم.


وتعود أزمة آسام إلى فترة استقلال الهند عن بريطانيا في عام 1947، والخلافات الدينية بين الهندوس والمسلمين، الذين فُصلوا إلى باكستان وباكستان الشرقية (بنغلادش بدءاً من عام 1971). وفي السنوات الأولى للاستقلال، بدأ زحف المهاجرين من بنغلادش إلى آسام. ازداد عددهم حتى بلغ نحو 2.8 مليون نسمة في غضون 3 سنوات. أدى ذلك إلى نشوء خلافات في الولاية إلى حدّ نيل بنغلادش استقلالها عام 1971. بعد ذلك، توفي النائب هيرالال باتواري في عام 1978، ما استدعى تنظيم انتخابات فرعية، غير أن مراقبين لاحظوا ارتفاع أعداد الناخبين بشكل هائل، الأمر الذي حدا بمنظمة "اتحاد طلاب آسام" إلى توجيه الدعوات لتأجيل الانتخابات حتى يتم تحديد أسماء وأعداد اللاجئين وإزالتهم من اللوائح الناخبة. وعليه، تمّ تشكيل "حركة آسام"، التي تحالفت مع "اتحاد طلاب آسام"، فأُقفلت المدارس والجامعات والمعاهد التقنية، في الولاية البالغة مساحتها 78438 كيلومتراً مربعاً، ولم يتمّ انتخاب نائب بديل لباتواري سوى في عام 1985، وهو سيف الدين أحمد. وفي 7 فبراير/شباط 1983، وقعت مجزرة ضدهم في خواراباري، قُتل فيها نحو 500 شخص. وبعد 11 يوماً في 18 فبراير، وقعت مجزرة نيللي، التي سقط فيها 2191 قتيلاً في 14 قرية، غالبيتهم الساحقة من النساء والأطفال. كما وقعت أحداث متفاوتة بين عامي 2012 و2015، سقط فيها نحو 77 قتيلاً.

وفي عام 1985، وقّع رئيس الوزراء، راجيف غاندي، اتفاقاً نصّ على حذف أسماء كل الأشخاص الذين لا يستطيعون إثبات أنهم جاؤوا إلى الولاية قبل 24 مارس/آذار 1971 من السجل الانتخابي، وسيبعدون. بيد أن ناشطين يقولون إن مكتب السجل الوطني يستخدم ذلك ذريعة لهجوم مزدوج (من القوميين الهنود والمتشددين الآساميين) على إعطاء الولاية وضعاً شرعياً للجالية البنغالية فيها، ومعظمها من المسلمين. ويعيش البنغاليون في الأراضي المنخفضة الرطبة الخضراء المنتشرة على امتداد نهر براهمابوترا، ويتحركون منها عندما ترتفع مناسيب المياه. وتكون أوراقهم الثبوتية القانونية، إن وجدت، غير صحيحة. ويقول المسؤولون في الولاية إن بنغاليين ينتشرون بين التجمعات السكانية للأقلية البنغالية في الولاية، وعادة ما يختبئون ويحملون أوراقاً ثبوتية مزورة، وإن فحص كل الوثائق هو السبيل الوحيد لاكتشافهم. بيد أن الناشط البنغالي نازرول علي أحمد يقول إن مكتب السجل الوطني يخدم أجندة أخرى مختلفة تماماً. وقال لمحطة "بي بي سي" البريطانية: "ليست سوى مؤامرة لارتكاب فظائع"، مضيفاً "أنهم يهددون علناً بالتخلص من المسلمين، وما حدث لمسلمي الروهينغا في ميانمار، قد يحدث لنا هنا".

وانطلقت حملة "توثيق الجنسية" في وقت تتواصل فيه إدانات منظمات حقوقية عالمية لحملة قمع تشنها الحكومة الهندية في "جامو وكشمير"، الشطر الخاضع لنيودلهي في إقليم كشمير، ذي الغالبية المسلمة، المتنازع عليه مع باكستان. وقبل نحو أسبوعين، ألغت نيودلهي المادة 370 من الدستور، وكانت تمنح حكماً ذاتياً لجامو وكشمير، بزعم أنها زادت من النزعة الانفصالية في المنطقة. وصادق البرلمان على قرار بتقسيم كشمير إلى منطقتين، منطقة جامو وكشمير ومنطقة لداخ، تتبعان الحكومة المركزية مباشرة. إثر ذلك، قطعت السلطات الهندية الاتصالات الهاتفية والإنترنت والبث التلفزيوني في المنطقة، وفرضت قيوداً على التنقل والتجمع. وكانت تلك المادة الدستورية تعطي الكشميريين وحدهم في الولاية حق الإقامة الدائمة، فضلاً عن حق التوظيف في الدوائر الحكومية والتملك والحصول على منح تعليمية.
(العربي الجديد، الأناضول، رويترز)

دلالات