الهندي الأحمر وربيعه الفلسطيني

25 سبتمبر 2019
الصورة
التزمت الأسرة الدولية بحلّ الدولتين وسيلةً لإنهاء الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي. لكن "أوسلو"، (اتفاق إعلان المبادئ بين منظمة التحرير وإسرائيل)، بوصفه صيغة عملية لتطبيق ذلك الحل، وضع الفلسطينيين، أمام سيناريو غير عادل، حين كان ثمرة انسداد الأفق فلسطينيا، واستغلال إسرائيل تفوقها الاستراتيجي والإقليمي، لتعيد صياغة الصراع انطلاقا من العام 1967، ما يبتسر تاريخ النزاع، ويهدر معه معظم حقوق الفلسطينيين في الداخل والشتات. فك الارتباط الكامل لإسرائيل عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقيام كيان جيوسياسي فلسطيني بحدود واضحة كان مقرّرا في عام 1998. ولكن منذ ذلك الحين لم يتغير شيء يذكر. تم نقل مناطق محدودة إلى السيطرة الفلسطينية، وبقيت الغالبية العظمى من أراضي الضفة الغربية الحيوية، بذرائع مختلفة، تحت السيطرة الإسرائيلية الحصرية، المدنية والعسكرية.
منطق القوة وسياسة الأمر الواقع الإسرائيلية بلغا ذروتهما مع وصول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، ورؤيته لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي (صفقة القرن)، التي تجاهلت "أوسلو" نفسه، وقرارات الأمم المتحدة، والقانون الدولي. وغضّت النظر عن الوضعية النضالية والقانونية للفلسطينيين، مستندة إلى محفّزات اقتصادية، تنتزع منهم تنازلاتٍ سياسية، وعبر نهج مفروض من أعلى إلى أسفل، يعيد تدوير الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيين، وانتهاك حقوقهم. استمرّت المستوطنات الإسرائيلية تقضم أراضي الفلسطينيين، ليبلغ عدد المستوطنين، اليوم، نحو 670 ألف مستوطن في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يقيمون في 196 مستوطنة، و120 بؤرة استيطانية. تخضع جميع نقاط الدخول إلى المناطق الفلسطينية لسيطرة إسرائيل التي تدير التجارة الفلسطينية، وتجمع الضرائب، وتسيطر على حصص الإعاشة، بينما تقيّد وصول الفلسطينيين إلى مناطق واسعة من الأراضي. وصلت مفاوضات السلام بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية إلى طريق مسدود بالكامل، وبقيت الخلافات الرئيسية قائمة حول الوضع النهائي.
من أجل استئناف المفاوضات، يطالب الفلسطينيون بالوقف التام لبناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتتمسّك إسرائيل بشرط اعتراف الفلسطينيين بـ"الطابع اليهودي" لإسرائيل. 
مكتسبات المساعي الدبلوماسية الفلسطينية لرفع مستوى التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة، والانضمام إلى هيئاتها، لم تغير من واقعهم الفعلي، بل استثارت غضب الحكومتين، الإسرائيلية والأميركية، ليُفرض على السلطة الفلسطينية حصار مالي وسياسي ودبلوماسي، غير مسبوق، منذ توقيع اتفاق أوسلو، أما شروع الإدارة الأميركية بإجراءات نقل السفارة الأميركية إلى القدس اعترافا بها عاصمة لإسرائيل، فدقّ مسمارا جديدا في نعش حل الدولتين.
تركّز الخطاب الدائر حول الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي على نظرية الانفصال (حل الدولتين) باعتبارها الوسيلة الرئيسية لتحقيق السلام المستدام، وانسجمت فكرة "الدولة الفلسطينية" مع رغبةٍ إسرائيليةٍ في "الحفاظ على الدولة اليهودية" وطرد الفلسطينيين خارج أسوارها. اليوم، وبغطاء أميركي، وتراخٍ دولي، عملت إسرائيل، على إحداث تغييرات جوهرية على الأرض، تضمن معها تحويل أي دولةٍ فلسطينيةٍ مستقبليةٍ كابوسا إداريا مجزأ، ومبعثر السيادة، وغير قابلٍ للحياة، وفقدت فكرة "دولتين لشعبين" جاذبيتها. فبعد أن أيدها في العام 2004 حوالي 72% من السكان اليهود، أظهر أحد استطلاعات الرأي العام 2016 أن 48.5% من الإسرائيليين يؤيدون ضم أراضي المنطقة ج، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، بجعلها جزءاً رسمياً من حدود دولة الاحتلال (وعد بنيامين نتنياهو ناخبيه عشية الانتخابات الإسرائيلية أخيرا بضم غور الأردن وشمال البحر الميت في حال أعيد انتخابه). انتمى المؤيدون إلى مختلف ألوان الطيف السياسي، ولم يقتصر التأييد على مصوّتي أحزاب اليمين. على الضفة الأخرى، يدعو فلسطينيون إلى الحل المتمثل بدولة واحدة ثنائية القومية.
في ظل السياسات الإسرائيلية الراهنة، تبدو فكرة "دولتين لشعبين" نوعا من يوتوبيا، فالأمثلة التي توفّرها المنطقة المحيطة من دول متعدّدة القوميات تبدو مثيرة للقلق، ويصعب اعتمادها استراتيجيةً يتبناها المجتمع الدولي، أو القيادات السياسية من الجانبين. أما "الدولة الواحدة" فلا تبدو حلّا قابلا للتطبيق، بقدر ما تبدو شعارا سياسيا ضاغطا على إسرائيل، يتناول من خلاله الفلسطينيون قضايا المواطنة والحقوق والعدالة. وفي ظل الانقسام الفلسطيني، يطرح قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس، ككيان منفصل، علامة استفهام أخرى، تتعلق بنموذج الدولة الواحدة، فالانقسام الفلسطيني المستمر لا يزيد من تعقيد حلّ الدولة الواحدة فقط، بل أيضا حلّ الدولتين، فنحن فعليا أمام نموذجٍ للحل من ثلاث دول.
الدولة الواحدة باتت قائمة فعلا، ليس فقط بسبب استحالة ترسيم الحدود، والدفاع عنها، والتغلغل السكاني المتبادل، ولكن أيضا بسبب الطبيعة المتشابكة لقضايا: السيطرة، الأماكن المقدسة، 
الموارد، الأرض والطرق، الموانئ البحرية، وغيرها. لقد كان الانفصال مستحيلا بطبيعته.
العجز المالي والإداري والسياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية، وفشلها في استثمار الغضب الشعبي بشكل فعال في التعبئة ضد الاحتلال، لتوظفه في الخلافات الداخلية، عزّز التفكك الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، الذي تتقاسم "حماس" والسلطة المسؤولية عنه. مزيد من الفلسطينيين يحتشدون اليوم وراء فكرة استحالة التعويل على السلطة الوطنية في تحقيق المصير، وإنهاء الاحتلال، واستعادة الحقوق، وأن نظامهم السياسي يعاني خللا وظيفيا ميؤوسا منه، وأن أي دولة فلسطينية ممكنة ستكون، فاسدة، سلطوية، وفاشلة تنتظر الانهيار. كفّ هؤلاء عن الانشغال بالمعركة البيروقراطية من أجل إقامة "الدولة"، محوّلين انتباههم إلى السعي إلى تحسين أوضاعهم ومصالحهم المباشرة، بعد أن ضعفت رغبتهم في الدولة، في مقابل رغبة أكبر في الحقوق الفردية، بغض النظر عن أي حل سياسي منتظر. يفسّر هذا، جزئيا، ارتفاع أعداد الكفاءات الشابة المستعدين لمغادرة أراضيهم، لا سيما في قطاع غزة، بحثا عن فرص أفضل.
انعدمت ثقة الفلسطينيين في أن يحقق الانفصال سلاما عادلا وشاملا، وأن يكون سبيلا وحيدا لحصول الفلسطينيين في كل مكان على حقهم في تقرير المصير. وأمام الدولة الواحدة، أمرا واقعا مفروضا إسرائيليا وأميركيا، حان الوقت للبحث بجدّية في بدائل محتملة، وأن يختبر الفلسطينيون، نظريا وعمليا، تحويل الصراع بعيدا عن حل الدولة وحل الدولتين، باتجاه حركة تكاملية لتقرير المصير، ترتكز على حلّ (أم إسقاط؟) السلطة الفلسطينية، وإجبار إسرائيل على إعادة تحمل مسؤوليات الاحتلال الكاملة في الضفة وقطاع غزة.
بإمكان الأجيال الفلسطينية الشابة اليوم في معركتهم الجديدة استلهام نموذج الانتفاضة الأولى عام 1987، والتي كانت أكثر الوسائل فعاليةً في الضغط على إسرائيل داخليا وخارجيا، لتشكيل جبهة موحدة، والتعبئة من دون قيادة مركزية، وفتح قناة نضال فعّالة، تستثمر الطاقات الكامنة لدى الشباب الفلسطيني وتنظّمها على طريق المقاومة السلمية، بديلا للاستسلام أمام الإخفاقات المتكرّرة للعملية السياسية، وأنفاق عجز قادة السلطة والفصائل، وفشلهم اجتماعيا وسياسيا. وأي تأخير يعني مزيدا من المعاناة، ولم يعد هناك معنى للنضال من أجل حدودٍ وهمية، واتفاقاتٍ سياسية مجحفة، ومفاوضات معلّقة، بل بات الهدف اليوم هو التحرّر نهائيا من الرؤية الصهيو ــ أميركية، ومن عقودٍ من العقبات السياسية والمادية المتراكمة، وإلا أصبح الهندي الأحمر الفلسطيني ضحيةً إضافيةً على معرض التاريخ، تلاشت أمام الاستعمار الاستيطاني. فهل يستعيد الشباب الفلسطيني زمام المبادرة، لبعث الأمل في ربيع فلسطيني استثنائي، وغير ملتبس، يجمع بين معركتي التحرّر والتحرير؟