الهروب نحو دولة تحت الاحتلال

26 يوليو 2020
الصورة
سنوات ضائعة من المفاوضات العبثية (عباس موماني/فرانس برس)

أخيرًا توضحت استراتيجية السلطة الوطنية الفلسطينية في مواجهة صفقة القرن وخطة ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة، وهي استراتيجية تقول بتغيير صفة السلطة؛ من سلطة إلى "دولة تحت الاحتلال". وهو ما دعا إليه صائب عريقات ومحمد اشتية وأحمد مجدلاني وغيرهم، حتى أصبح هذا القول بمنزلة البرنامج المعتمد للسلطة الفلسطينية في مواجهة رؤية ترامب - نتنياهو. وبحسب ما تسرب من معلومات، فإنّ هذا البرنامج يتضمن دعوة دول العالم إلى الاعتراف بهذه الدولة الوليدة، وإصدار شهادات ميلاد، وبطاقات هوية، وجوازات سفر، دون المرور بالحاسوب الإسرائيلي.

في عام 2012، اعترفت 140 دولة في الجمعية العامة بدولة فلسطين عضوًا مراقبًا في الأمم المتحدة، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نسمع، في كل عام، تهديدًا باللجوء إلى الجمعية العامة في العام الذي يليه، وفق البند السابع لحصول فلسطين على عضوية كاملة، تجنبًا للفيتو الأميركي في مجلس الأمن. ولا تجرؤ السلطة على تقديم هذا الاقتراح خوفًا من الغضب الأميركي والصهيوني. أليس من الأجدى أن نبادر إلى ذلك، بدلًا من أن نعود من جديد إلى تعداد الدول المعترفة بفلسطين؟

أما مسألة الوثائق فجدواها لن يتجاوز الجانبين المعنوي والإعلامي، ولن يكون متاحًا للمواطن الفلسطيني استخدامها للسفر، أو في معاملاته كلها دون أن تُدمغ بالرقم الوطني (الفلسطيني) الصادر عن الاحتلال، والذي ترتبط بماكينته الإدارية والأمنية معاملات الفلسطينيين كلها، حيث لا تؤدي السلطة سوى دور الوسيط بين المواطن الفلسطيني وسلطات الاحتلال. هذه الوثائق الرمزية ستجد مكانها على الجدران، بالقرب من إعلان الاستقلال المكتوب بأحرف جميلة من صوغ محمود درويش، قبل أن تتحوّل في اتفاق أوسلو إلى حكم ذاتي محدود ابتلعه الاستيطان والضم الواقعي، ليحوّله إلى كانتونات ومعازل، دون أن يهتم بما إذا كانت ستُسمى دولة أو حتى إمبراطورية، كما قال بنيامين نتنياهو في حديثه لعتاة المستوطنين.

نعم، وقعت دول كثيرة تحت الاحتلال، وهذا لا يعيب شعوبها التي قاومته وانتصرت عليه، وهو خيار الشعب الفلسطيني والأمة العربية. أما الذين رضخوا للاحتلال، وبرروا بقاءهم تحت وطأته بمبررات شتى، فلديهم نظراءهم في التاريخ الحديث، مثل حكومة الجنرال فيشي في فرنسا، مقابل الجنرال شارل ديغول الذي قاد المقاومة، وشكّل حكومة فرنسا الحرة في المنفى.

وقعت دول كثيرة تحت الاحتلال، وهذا لا يعيب شعوبها التي قاومته وانتصرت عليه، وهو خيار الشعب الفلسطيني والأمة العربية

قد تعيق بعض هذه الخطوات، بما فيها التحرك الدولي، إجراءات الضم القانوني، أو تؤخره قليلًا، لكنها لا تشكّل استراتيجية حقيقية لمقاومة رؤية ترامب - نتنياهو، ولا تنهي الضم الحاصل فعلًا، والمرتبط ببقاء الاحتلال، والذي يتسع مداه مع كل يوم يمر. لن يفيد استبدال مسمى السلطة التي عجزت عن تحقيق أبسط مظاهر السيادة، وفشلت حتى في تحقيق حكم ذاتي بإدارة مستقلة، بمسمى الدولة، إذ لن يتغير جوهر صلاحياتها.

ولا يمكن أن يُفهم سوى أنه هروب من الإجابة عن الأسئلة الحقيقية التي ينبغي العثور على إجابات لها، وفي مقدمتها: كيف نعيد التمسك بروايتنا التاريخية، ونحقق وحدة الشعب والأرض والقضية؟ وكيف نوقف الضم الحقيقي المتمثّل ببقاء الاحتلال، وتغوّل الاستيطان، وقضم الأرض؟ وكيف نصعّد المقاومة، وندحر الاحتلال، ونعيد بناء منظمة التحرير الفلسطينية كقيادة سياسية للشعب الفلسطيني كاملًا على أسس تمثيلية؟

الشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى إضاعة سنوات جديدة بحثًا عن وهم، أو سعيًا وراء مفاوضات جديدة يروّج لها وكأنها انتصارات، عبر تجاوز السقف الأميركي إلى مرجعية الرباعية الدولية التي انحازت خلال الأعوام السابقة، بقيادة توني بلير، إلى الجانب الصهيوني، بقدر ما هو بحاجة إلى برنامج كفاحي يوحّد صفوفه، ويعزز مقاومته. أما ذلك الحديث عن الارتقاء بالسلطة إلى دولة تحت الاحتلال، فلن يكون إلا تكريسًا لهذا الاحتلال، وبيعًا للوهم المختبئ تحت شعارات براقة خبرنا مثلها عبر تاريخنا المعاصر، وهو ما ينطبق عليه المثل الشعبي "مش ناقص العورة إلا المكحلة".