الهادي العرفاوي... خمسون عاماً مع أقفاص العصافير

تونس

مريم الناصري

avata
مريم الناصري
13 ديسمبر 2019
0915515D-FD0C-4BED-8625-60EDBE27144F
+ الخط -
في محلّ مليء بـبقايا خشب وأسلاك حديد في العاصمة تونس، تتكدّس بضائع الهادي العرفاوي من دون انتظام. هو لا يهتمّ بترتيب محلّه بقدر ما تعنيه تفاصيل الأقفاص التي يصنعها من الأسلاك الحديدية والقطع الخشبية. كذلك لا يعلم عدد الأقفاص التي يصنعها، فيما يؤكد أنّه احترف مهنته تلك منذ أكثر من خمسين عاماً وما زال متمسّكاً بها على الرغم من بلوغه سنّ التقاعد.

وينهمك العرفاوي في قطع أسطوانة خشبية لتكون أرضية القفص التي تُثبَّت عليها القطع الخشبية الأخرى الموصولة بعضها ببعض من خلال أسلاك حديد يشكّلها بطرق وأحجام مختلفة لتضمن عدم تمكّن خروج الطائر من قفصه عند إيداعه فيه. وأقفاص العرفاوي تماماً كما تلك التقليدية التونسية، تتألّف من قبّة تعلو مساحة تُعَدّ غرفة الطائر مع شبابيك تشبه تلك التي تشتهر بها بيوت المدن العتيقة ومدينة سيدي بوسعيد في العاصمة. أمّا الألوان، فيختار العرفاوي الأبيض والأزرق لتزيين أقفاصه، وهما اللونان اللذان يميّزان مدن تونس، خصوصاً مدينة سيدي بوسعيد. يُذكر أنّ الحرفيّ يحرص على أن تكون القبّة فسيحة حتى يتمكّن الطائر من التحرّك فيها بأريحية.

لطالما انتشرت في تونس تربية الطيور النادرة والملوّنة، خصوصاً الكناري، لا سيما في البيوت العتيقة. وفي الإمكان ملاحظة أسواق خاصة بتلك الطيور في بعض الجهات. وثمّة جمعيات خاصة بهواة تربية الطيور وبالمحترفين، فيما تُقام بطولة يتنافس فيها هؤلاء الهواة. بالتالي تلقى الأقفاص رواجاً كبيراً في عدد من المناطق، وثمّة من يقبل فقط على الأقفاص العادية لتربية العصافير بهدف التجارة، إلى جانب آخرين يبحثون عن أقفاص ذات جودة وجمالية يُباع الواحد منها أحياناً بنحو 100 دولار أميركي، والهدف منه زينة للبيوت أو حدائقها أو شرفاتها.

يتمسك بمهنته رغم بلوغه سن التقاعد (العربي الجديد)


ويشرح العرفاوي أنّ "أقفاص تونس تختلف في الشكل والحجم عن أيّ أقفاص تُصنع في دول أخرى، وهي تلقى إقبالاً كبيراً في دول عدّة شاركت في معارضها على مدى سنوات"، مضيفاً أنّه لم يجد يوماً "أيّ عائق أمام بيع كلّ بضائعي في تلك المعارض". ويقول إنّ "حرفيين كثيرين حافظوا على شكل معيّن في صناعة الأقفاص، الأمر الذي جعلها حرفة تونسية متميّزة فيقبل على شرائها السياح"، مشيراً إلى أنّ "الصين حاولت تقليد تلك الحرفة لكنّها لم تنجح.

فالعمل اليدوي أساس في تميّزها، بالتالي لا يمكن إنتاجها بكميات بواسطة الآلات".
يكمل العرفاوي حديثه من دون أن ينقطع عن عمله، لافتاً إلى أنّ "الحبيب بورقيبة (الرئيس التونسي السابق) كان قد قدّم الدعم إلى معظم الحرفيين في مختلف الصناعات التقليدية. وقد خصّص لهم قرية حرفية في الدندان الواقعة في الضاحية الغربية للعاصمة التونسية، والهدف الحفاظ على ديمومة تلك الحرف التي توفّر آلاف فرص العمل في مناطق كثيرة منذ سنوات، لا سيّما الجهات الساحلية حيث تنتشر حرفة صناعة الأقفاص".

ويلفت إلى أنّه شارك في معارض في جهات تونسية عدّة وكذلك في الخارج، فسوّق لمنتجاته بفضل الدعم المقدّم للحرفيين من قبل ديوان الصناعات التقليدية ووزارة السياحة التي كانت تتكفّل بسفر الحرفيين للمشاركة في المعارض سابقاً".

لا يستخدم العرفاوي إلا آلة واحدة لتقطيع الخشب (العربي الجديد)


في عمله، لا يستخدم العرفاوي إلا آلة واحدة فقط، يقطّع بواسطها الخشب أو يشكّل الثقوب التي يثبّت فيها الأسلاك الحديدية، فيما يعتمد عموماً على بعض الأدوات البسيطة وغير المكلفة، وهو أمر يسهّل المجال أمام الراغب في إطلاق مشروع في مثل هذه الحرفة.

ويخبر العرفاوي بأنّ "الحرفيين، لا سيّما من كبار السنّ، لطالما علّموا صنعتهم إلى شباب راغبين في ذلك، بالتالي وفّرت صناعة أقفاص العصافير مجالات شغل لكثيرين. هذا كان في السابق، أمّا اليوم فلم يعد الشباب يقبل على تعلّم هذه الحرفة بسبب تراجع الدعم الذي كان يقدَّم إلى الشباب الراغبين فيها، مع انقطاع المنح التي كانت تخصّص لهؤلاء الشباب في خلال فترة التكوين (التدريب)".


إلى جانب أقفاص الزينة التي لم تعد تلقى الرواج الكافي في تونس، بحسب ما يقول العرفاوي، فإنّه راح يبتكر منتجات أخرى تستلزم المواد نفسها التي يصنع بها تلك الأقفاص. وممّا ينتجه بواسطة الخشب وأسلاك الحديد، نجد ثريّات وأطباقاً وصناديق حلويات وبعض أدوات الزخرفة التي تُستخدَم في البيوت والمطاعم والنزل.


ويوضح العرفاوي أنّ "تلك البضائع تلقى إقبالاً كبيراً، لا سيّما من خلال معارض خاصة بالصناعات التقليدية شاركت فيها"، علماً أنّه حافظ عند تلوينها على اللونَين الأزرق والأبيض. بالنسبة إليه، فإنّ "اللونَين اللذَين يميّزان مدينة سيدي بوسعيد وبعض المدن التونسية الأخرى هما من بين أسباب رواج منتجاتي كذلك".
دلالات

ذات صلة

الصورة
مقبرة جماعية في منطقة الشويريف بطرابلس، 22 مارس 2024 (الأناضول)

مجتمع

أعلن المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك، الثلاثاء، أن مكتبه يتابع تقارير عن اكتشاف مقبرة جماعية في الصحراء على الحدود الليبية التونسية.
الصورة
مسيرات في تونس تنديداً بقصف خيام النازحين (العربي الجديد)

سياسة

شارك مواطنون تونسيون وسياسيون ومنظمات وطنية وحقوقيون، مساء اليوم الاثنين، في مسيرات في مدن تونسية تنديداً بالحرب على غزة، ولا سيما مجزرة رفح. 
الصورة
مسيرة في تونس ترفع شعارات الثورة التونسية، 24 مايو 2024 (العربي الجديد)

سياسة

رفعت شعارات الثورة التونسية "شغل حرية كرامة وطنية" في احتجاج شبابي في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس، تعبيراً عن رفض ما آلت إليه الأوضاع في البلاد.
الصورة
طلاب من جامعات تونس في حراك تضامني مع غزة - 29 إبريل 2024 (العربي الجديد)

مجتمع

انطلق حراك طلاب تونس التضامني مع غزة والداعم للانتفاضة الطالبية في جامعات العالم، ولا سيّما في جامعات الولايات المتحدة الأميركية، وذلك من العاصمة ومدن أخرى.