النيروز المصري: الفصول تتراجع

13 سبتمبر 2019
الصورة
النيروز: رأس السنة المصرية وأول أيام السنة الزراعية (Getty)
تحتفل جهات رسمية ودينية مسيحية هذه الأيام بالسنة المصرية أو القبطية الجديدة التي تبدأ بعيد النيروز أو نوروز. فمع بزوغ شمس الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول الحالي، بدأ العام 6253 وفقاً للتقويم المصري، وهو التقويم الذي بدأ منذ سنة 4241 قبل الميلاد، أما من ناحية الاستعمال المسيحي فإن هذا العام هو العام القبطي الرقم 1726.
التقويم المصري ليس تقويماً دينياً كالتقويم الميلادي أو الهجري، بل هو تقويم فلكي شمسي، استبدله المصريون القدماء بالتقويم القمري الذي كان سائداً ولم يكن مناسباً للزراعة، وهناك بردية قديمة تحوي ابتهالاً فرعونياً يقول: "أنقذني يا آمون، فالشتاء يدخل في الصيف، والفصول تتراجع"، في إشارة لعدم مناسبة التقويم القمري للنشاط السكاني السائد، ويقال إن أول من احتفل برأس السنة المصرية هو "جور عحا" ابن الملك مينا.
التقويم المصري القديم يُقسم السنة إلى 13 شهراً: توت، بابة، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى، نسيئ. هذه الشهور فيها 365 يوماً. ويعد هذا التقويم من أكثر التقويمات دقة من حيث ظروف المناخ والزراعة خلال العام؛ ولا يزال يعتمد عليه الفلاح المصري في زراعته وحصاده منذ آلاف السنين. وشهر "نسيئ" هو أصغر شهور السنة المصرية وعمره 5 أيام (من 6 إلى 10 سبتمبر/ أيلول). وهو آخر أشهر موسم الحصاد.
في سنة 238 قبل الميلاد قام بطليموس الثالث بمحاولة لعمل تغييرات جوهرية بالتقويم المصري، لكنها باءت بالفشل لتصدي الكهنة وعدم استساغتهم لهذا التغيير، ولكن تم إحياء الفكرة مرة أخرى سنة 25 قبل الميلاد على يد الإمبراطور أوغسطس الذي غيّر التقويم المصري ليتزامن مع التقويم اليولياني الجديد.
"عيد النيروز" هو رأس السنة المصرية، وأول أيام السنة الزراعية الجديدة. وهو أول أيام شهر "توت"، وينسب هذا الشهر إلى المعبود "تحوت" إله الحكمة والعلوم والفنون والاختراعات ومخترع الكتابة ومقسم الزمن، وهو يُصور على هيئة رجل رأسه رأس طائر اللقلق. ولفظة "النيروز" مشتقة من الكلمة القبطية "ني-ياروؤ" ومعناها "الأنهار".
كان الاحتفال قديماً يستمر لمدة أسبوع، وقد داوم المصريون على هذا الاحتفال طويلاً، وبلغ الاحتفال مبلغاً عظيماً في عهد الفاطميين كما وصفه المقريزي في تاريخه بما يشبه الكرنفالات العالمية، وكانت تحدث فيه تجاوزات من الناس وعقوبات على تلك التجاوزات من السلطة الحاكمة؛ فيقول المقريزي: "... وفي يوم النوروز؛ زاد اللعب بالماء، ووقود النيران، وطاف أهل الأسواق وعملوا فيلة، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، ولعبوا ثلاثة أيام، وأظهروا السماجات والحلي في الأسواق ثم أمر المعز بالنداء بالكشف، وأن لا توقد نار، ولا يصب ماء، وأخذ قوم فحُبسوا وأخذ قوم فطيف بهم على الجمال".
في عصر المماليك، أبطل الظاهر بيبرس الاحتفال سنة 1100م، لكثرة الممارسات السيئة والتجاوزات التي كانت تظهر أثناء الاحتفال، ولكن الأقباط أعادوا إحياءه لاحقاً، وهو يوافق عندهم الاحتفال بعيد الشهداء، وفيه يأكل الأقباط البلح الأحمر الذي يرمز لونه لدم الشهداء وقلبه الأبيض لنقاوتهم وبذرته الصلبة لصلابة إيمانهم.
أما احتفال الأقباط بالنيروز فيعود إلى عصر الإمبراطور دقلديانوس، الذي يعد أقسى عصور الاضطهاد ضد المسيحية، حتى قيل إن كل الاضطهادات التي شنتها الدولة الرومانية على المسيحية ابتداء من نيرون لتتضاءل إزاء ضراوة ووحشية سلسلة الاضطهادات التي بدأها "دقلديانوس". 
وقد احتفظ الأقباط بالتقويم الذي يُعتمد عليه في الزراعة مع تغيير عداد السنين وتصفيره لجعله السنة الأولى لحكم دقلديانوس (282 ميلادية = 1 قبطية = 4525 فرعونية). وهنا ارتبط النيروز بعيد الشهداء، حيث كان المسيحيون يخرجون لزيارة أجساد الشهداء في الأماكن التي خبأوها فيها ودفنوها بسرية تامة بعيداً عن أعين الإمبراطور الغاشم وجنوده. ولذا أصبح هذا التقويم يسمى تقويم الشهداء، ثمّ رتبت الكنيسة الأرثوذكسية المصرية أعيادها طبقاً لهذا التقويم.