النهضة الرواندية دروس في التنمية والتعايش

24 يناير 2020
الصورة
رواندا انتقلت من الأزمات إلى البحبوحة (سيمون ولفارت/فرانس برس)
+ الخط -
رواندا، دولة صغيرة تقع في منطقة البحيرات العظمى في الجهة الشرقية من أفريقيا، مساحتها 26.3 ألف كم² فقط، وسكانها لا يتجاوزون 13 مليون نسمة، يتألف مجتمعها من عرقيات؛ 80% من الهوتو و10% من التوتسي، والبقية من أقليات من جماعات التوا والأقزام.

لا تمتلك رواندا حقولا نفطية عملاقة، ولا مناجم ضخمة للمعادن النفيسة، كما أنها عانت من صراع قبلي دام، راح ضحيته عشرات الآلاف من الأشخاص، وولد العداوات بين أبناء الشعب، ورغم كل ذلك استطاعت الدولة الصغيرة خلال العشرين عاما الأخيرة تحقيق إنجازات اقتصادية كبرى، بنيت في الأساس على رؤية حكومية للخروج من شبح تداعيات الحرب الأهلية، وخلق مناخ التعايش والتسامح وتحقيق التنمية والرفاهة لأبناء الشعب.

وحققت رواندا العديد من الإنجازات التنموية خلال الفترة الماضية، فقد حافظت على معدلات نمو مرتفعة خلال العقد الماضي، متفوقة على بعض الدول الكبرى مثل الصين والهند، حيث بلغ المعدل 8.6% خلال العام 2018، بعد أن كان 6% في عام 2017، ومن المتوقع أن يبلغ خلال العام 2019 نحو 7.8%.

كما أن رواندا تخطط لتصبح واحدة من الدول ذات الدخل فوق المتوسط خلال عام 2035، ومن دول العالم التي تتمتع بدخل عالٍ خلال عام 2050. كما قفزت رواندا في مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2018 الصادر عن البنك الدولي إلى المرتبة 29 عالميًا والثانية أفريقيًا، متقدمة من المركز الـ41 خلال عام 2017، وهو المؤشر الذي يوجه المستثمرين المحليين والأجانب في مختلف دول العالم، وهو ما دفع شركة فولكس فاغن عملاق صناعة السيارات إلى اختيارها لتصبح مركزا لصناعة السيارات وتوزيعها إلى الشرق الأفريقي، وأخيراً طرحت السيارة الأولى في الأسواق.

وفي مايو 2019، أطلقت رواندا أول قمر صناعي في تاريخها صممته شركة OneWeb البريطانية لربط مدارسها ومناطقها الحضارية بالإنترنت المجاني، وجاءت الخطوة في إطار مشروع متكامل لتحديث وتطوير شبكة الإنترنت بتكلفة بلغت مليارَي دولار، وكذلك في إطار السعي لتكون رواندا مركزا للابتكار التكنولوجي في أفريقيا.

وجاءت تلك المظاهر اللافتة للنهضة الاقتصادية في رواندا كنتيجة لجملة من السياسات المخططة التي عملت عليها الدولة في أعقاب الحرب الأهلية، والتي يمكن أن تقدم دروسا مهمة لكل الدول التي مرت بقلاقل سياسية، أو تلك التي تسعى نحو نهضة اقتصادية.

رؤية 2020 وتحقّق الأهداف
بعد تسلم الرئيس بول كاغامي منصبه أطلقت الحكومة خطة قومية تغطي الآجال الاقتصادية المختلفة، فالهدف على المدى القريب هو تكوين الثروات وتقليل الاعتماد على المعونات والديون الخارجية عبر سن مجموعة من الإجراءات الضريبية وتشجيع الاستثمار بالبلاد، وبناء على ذلك قلّص الوقت اللازم لإنشاء نشاط تجاري من 43 يوماً إلى 4 أيام وأعاد بناء البنية التحتية.

أمّا الهدف الثاني، متوسط الأجل، فيتمثل في التحول من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد قائم على المعرفة من خلال تطوير التعليم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وعلى المدى البعيد، فتهدف الرؤية إلى تعزيز روح المبادرة الخاصة وخلق طبقة وسطى من المستثمرين المحليين قادرة على خلق الثروة والمساهمة في تطوير اقتصاد البلاد.

وحققت الخطة نجاحاً كبيراً، إذ إن الدولة حققت العديد من القفزات في مؤشرات الاقتصاد الكلي، ومنها ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 231 دولاراً في عام 2005 إلى 542 دولاراً عام 2015، ثم من المتوقع أن يبلغ 857 دولاراً في عام 2020.

وتشير دراسة للدكتور رضا الشكندالي والمعنونة برؤية 2020 لرواندا والتحوّل من الإبادة الى الريادة، إلى أن الدولة اعتمدت على القطاع الخاص كمحرك رئيس للنمو، على أن تقوم بتحفيز الاستثمار الخاص وتحسين البنية التحتية والارتقاء بالموارد البشرية والأطر القانونية وبناء القطاع المالي القادر على تشجيع وتمويل الاستثمار الخاص، ونتجت من ذلك زيادة نسب الاستثمار الخاص من الناتج المحلي الإجمالي من 16% عام 2005 إلى 21% تقريبا عامي 2015 و2020، في مقابل تراجع الاستثمارات الحكومية نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 10% عام 2005 إلى 8% فقط طوال الأعوام الماضية.

ولم يقتصر تشجيع الدولة على القطاع المنظم، بل شمل كذلك القطاع غير الرسمي في مجالات عديدة مثل التجارة وورش إصلاح السيارات والكراجات والحرف اليدوية والأعمال المعدنية.

وكنتيجة لجهود الدولة في تشجيع الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي، أصبحت الإجراءات اللازمة لإنشاء مشروع في رواندا لا تتعدى مدة القيام بها ست ساعات فقط، كما تمت ميكنة النظام الضريبي، فأصبح تسجيل الشركات والضرائب إلكترونياً، وساعد ذلك على الحد من الفساد وتشجيع الاستثمار مما خفض معدل البطالة حتى أضحى لا يتجاوز 1.4% حالياً بحسب بيانات البنك الدولي. وخلقت الاستثمارات الأجنبية ما يقرب من 66 ألف وظيفة في عام 2017 مقارنة بعام 2016، الذي شهد توفير 56 ألف وظيفة.

كما تبنت الحكومة الرواندية خلال العقد الماضي موقفًا صارمًا ضد الفساد والكسب غير المشروع، من خلال إطلاق مبادرة وطنية ضد الفساد عام 2012 هدفت إلى تعزيز النزاهة والحكم الرشيد ومحاربة الفساد، وأثمرت عن احتلال رواندا المرتبة الثالثة في لائحة أقل الدول فسادًا في أفريقيا بحسب النسخة الأخيرة من مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2018.

ومن الجدير بالذكر أن عوامل النهضة التي شرحت سابقا ما كانت لتحدث إلا في ظل اهتمام الدولة بالتعليم، وورد في تقرير جودة التعليم للعالم لسنة 2014 الصادر عن اليونسكو أن رواندا من أفضل 3 دول في تجربة النهوض بالتعليم، وتعتمد الدولة مجانية التعليم الأساسي، والحكومة الآن بصدد مناقشة مجانية التعليم للمرحلة الثانوية والجامعية.

كما اعتمدت الدولة كذلك خطة خمسية لمحاربة ظاهرة التسرب من التعليم، ونجحت في الوصول إلى نسبة انتظام للطلاب في التعليم بلغت 85%، وأصبحت بذلك من أعلى الدول الأفريقية انتظاماً في التعليم الأساسي.

كما عقدت حكومة رواندا شراكة مع Microsoft لمحو الأمية الرقمية في البلاد، كما تبنت الحكومة نظام "تكنولوجيا المعلومات والاتصال من أجل التعليم"، وهو نظام يستبدل وسائل التعليم والكتب التقليدية بمنصات إلكترونية، تتابع من خلالها الدروس بيسر وسهولة.

ومما يدلل على رغبة الدولة الحقيقية نحو رقمنة التعليم، أنه في أعقاب إطلاق القمر الصناعي الرواندي أكد وزير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والابتكار أن إطلاق بلاده لهذا القمر الصناعي يعد دليلًا على رغبة الحكومة في دعم المدارس بالمناطق النائية، التي لا تصل إليها الإنترنت.

وفي الختام، يمكن القول إن رواندا جسدت تجربة لحرب أهلية دامية، وأوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة، وإرادة حقيقية للعيش والتسامح والبناء، ومبادرات من الإنسان إلى الإنسان، وإنها نجحت في بناء تنموي حقيقي وليس رقميا فقط، وتمثل هذه التجربة درساً لمن يهمه الأمر، ولمن يريد البناء الحقيقي وليس البناء على شاشات القنوات المتلفزة وعناوين الصحف السيارة، وصفحات التواصل الاجتماعي.

دلالات

المساهمون