النهر

21 سبتمبر 2019
الصورة
محمد المليحي/ المغرب

أفضّل النهر على البحر. يُشعرني البحر بالتبطّل، بالارتخاء، بالشرود بين الأمواج المتتالية، والتحديق في تلك الشمس التي تغطس بهدوء متعاظم، صابغة الأفق بألوان باردة متقلِّبة. البحر يخدّر الحواس، فيما رائحته تُذكّر بأيام الصيف الطويلة، حيث يطوف علينا بائعو حلوى الميلفاي بطاواتهم في منتجع الاصطياف.

أمام البحر نتوق إلى الحركة، إلى استنزاف اللحظات بالركض طوال النهار نحو الأمواج في استعادة لهو الطفولة. اقتحام لجّة الموج بصدرك وخبط الماء الثقيل بذراعيك، ثمّ الاسترخاء بعد تعب لذيذ على الرمل الدافئ وأنت تتابع بنظراتك الفتيات كفاكهة مقشّرة، وفي شفتيك طعم الملح، كأنك تعزف على هارمونيكا المحيط. يظلّ البحر محفّزاً لنشوة التبطّل والتحرّر من الالتزامات. تُغمض عينيك في عين الشمس، فيما تظلّ حاسة سمعك مستعذبة الهواء المأهول بالأصوات... صوت الأمواج، وبائعي المثلجات.

الإثارة تلك، تجعل البحر في الفصول الأخرى رتيبا ووحيداً. يقذف أمواجه تجاهنا بعنف. يتحوّل على نحو مُريب إلى كائن مضطرب. ليس بوسعه أن يستعيد منّا تلك الثقة التي كانت له، ولا حتى في الموانئ البعيدة.

أمّا النهر، فلا يُفقَد الإيمان به كمصدر لا ينضبُ من الإلهامات. إنّه هادئ وساكن. يُبقي على نفسه في هذه الصّفة أكثر ممّا يستطيعه البحر. حتى لو غمر الضفاف عند امتلائه بالغيوم التي تعبر ثقيلة في الشتاء، فإنّه يترقرق وحسب. مخصّباً بالطمي، ومقلّبا إيّاهُ بالدود وجيوش السلطعونات.

في المساء، عادةً ما يكون النهر نفسه، في عزلته. في الوقت الذي تقرّر فيه الشمس بعد ساعة من ذلك، التواري والنزول إلى أسفل، يصعد النهر إلى مستوى لغة الساكسفون. عندها يجب على من هو مطبوع مثلي بظلال الأنهار في خياله أن يتّخذ مقعداً على حجر أو يقف في مكان مناسب حيث بإمكانه أن يرى المنظر متساوقاً في انعكاس الأشجار على المياه.

وفّر لنا نهر أبي رقراق على الدوام هذا الامتياز وهو يبتعد عن مصبِّه. الأرض خصبة والعشب يتموّج بوفرة، والطيور تنعكس على صفحته وهي عائدة إلى أعشاشها. أسراب الطيور تتوالى في الموعد المحدّد. بعضها يقترب جدّاً من سطح النهر في اتجاهٍ عكس التيار.

النهر لا يخصّب الضفاف فحسب، بل يخصّب النفس أيضاً. إنّه أكثر الصور قِدماً في مخيّلتي، كأنّني شاهدته مشاهدةً عظيمة قبل أن أولد. إنّه نداء الأعماق. نداء لا أقوى على تجاهله. وأنا أمرُّ سريعاً ولو في وسيلة نقل، فإنّني في اللمحة الخاطفة من تلك العجلة أظلُّ متعلّقاً به. أستدير لأتابعه بعينيَّ حتى يتوارى. أعصر اللحظة التي تقاطعنا فيها حتى آخر قطرة زمنيّة.

نهر تحت ظلال الأشجار هذا أكثر عذوبة من أيّ نهر. بعضها يتحوّل إلى أودية صغيرة تجري بين الحصى والأحجار الصقيلة في طبيعة وديعة. سكنني أحدها برقّة وأنا أعبر سلسلة جبال الريف من غربها نحو الشرق. ما اسم ذلك الوادي؟ لست أدري.. مجرى مائيٌّ آخر مثل في ذاكرتي وأنا طفل يقع بين جبال الأطلس الكبير، كان يتحوّل عند أقدامنا بعذوبة إلى جدول شفاف نقيّ. اصطدت فيه أسماكاً صغيرة بيدين عاريتين.

بجلالها تعكس الأنهار فلسفة جمالية عميقة، الزمن أو الديمومة. أفكّر بهراقليطس كلّما أطرقتُ رأسي متأملا التيّار المائي. النهر كالزمن لا يتوقف ولا نستطيع أن نعبره مرتين. هذه أقوى الشذرات التي خلّدت الاسم اليوناني القديم. شذرة شعرية مغسولة بالعقل. لكنّ النهر لا يتحوّل مع ذلك في المكان. قد تتغيّر الأشياء حوله، تنشأ مدن وتنهار أخرى.. ولكنّ النهر هو النهر. ولذلك فهو كائن عظيم، لا يُقهر بسهولة.

يدوم النهر طويلاً لنفسه ولنفسه فقط. أمم تعيش منه وعليه، تقيم حضاراتها، تبني قلاعها بجانبه، تشنّ حروبها لكنها لا تستحوذ عليه، ولا تستنزفه. لقد شكّل النهر الذي يجري بمسافة خطوات قليلة عن بيتنا الحدود الجنوبية للإمبراطورية الرومانية. بوسعي لمس الحجر الذي تركه الرومان في حصن قريب منه، لكن على سيمات النهر ثمّة نهر لا غير.

القبضة الرومانية كانت أشبه بقبضة على الهواء. لم يستهوِني التفكير كثيراً في ما تعنيه ذاكرة النهر، حتّى لو عُمّد فيه المسيح أو مشى فوقه، مع أنّني شغوف بآثار البشر. لكن النهر عليه أن يبقى صورة غير ذهنية، بل باطنية شفيفة.

حين يخوض التاريخ في مياهه فإنّه يدنّسه. أبغض الأنهار التي تتحوّل إلى مكان عبادة، هي أيضا أنهار وسخة؛ ربما أكثر وساخة. جماعات المؤمنين تغسل آثامها هناك. عندها يصبحُ النهر قذراً ومشوّهاً ومكدّراً على نحو بائس. تموت الأنهار حين لا تُترك لعزلتها. يُستنفد جمالها الطبيعي بقسوة فضيعة. كنهر الغانج مثلاً؛ لا يمكن لنهر كهذا أن يلهمك بشيء وهو يتحوّل إلى حمّامٍ عمومي للخطاة.

النهر المثالي نهر عزلة. نهر هضاب وسهول وأشجار وأحجار. نقيٌّ ومُلهم. نهر غيوم بيضاء وأسراب طيور. وحين تطأ أقدام الظلال مياه النهر (ظلال الأشجار أو الجبال، أو هما معاً) مُحيلةً لونها إلى أسود، تكون غبطة ما ورائية قد تساكنت مع سكون النهر، وتَحقَّقَ ليلُ نهار ميتافيزيقي.

في زمنٍ لم أكن أستطيع التمييز فيه من أنا، احتفظتْ ذاكرتي على نحو مضبّب بنزولي مع خالتي الصغرى لنستحمّ. فُقِدْنَا هناك في ليلٍ سرمدي وسط مياه سوداء دافئة كالحلم. هل انزاح خيالي الطفوليُّ قليلاً عن الواقع؟ لست أدري.. كأن المشاهدة تمّت في عالم آخر. لقد حملت في نفسي ما خبرت وسط كثير من الغيوم. هي بركبتيها تجثو في الماء، وأنا خلفها مطعوناً بنداء الليل إلى أعماق كينونة الكون. وكأن الستار الليلي قريبٌ من همسة الله التي تُحرِّكُهُ كالهواء.

لقد كنّا في رحلة عظيمة؛ لأنّها أوّل رحلة في حياتي، لم أكن أتجاوز الرابعة من عمري بعد.

المياه السوداء بثقل الظلال، هي مياه حالمة بلا شكّ. مياهُ فردوسٍ منسي. الظلال، وبخاصة ظلال الأشجار، تَمَثُّلٌ للمراوح. ليس لتلطيف الجوّ، أو التقليل من شدّة الحرّ، بل لإراحة الروح. جعلتنا نصدّق أننا منفلتان من دأب الزمن المُداوم بين النهار والليل. فالليل هنا ليس سوى ليلنا الخاص، ذاك الذي يُمكننا النزول إليه في يقظة النّهار، والخوض فيه حتى الرُّكب، الشعور ببرودته وتيّاره الرقيق أو الجارف. هو ما يغمرنا بسعادة مستقطعة بين ضفتين.

برزخٌ على الأرجح، نتذوّق فيه فاكهة مختلفة، نلامسُ وجودنا على نحو مفارق لما اعتدنا الوجود فيه وبه. إنّنا نسكن المياه والمياه تسكننا. جسدنا يُحاط بهذه العذوبة حتى الاستحالة إلى رقرقة هادئة.

إنها الفناء الخلفي للهناءة، هكذا هي الأنهار في عذوبتها وعذريتها الخالدة.


* شاعر من المغرب