النقل في قطر... الحصار يكتب "شهادة ميلاد" جديدة للقطاع

02 نوفمبر 2017
الصورة
تعويل على سوق النقل لخفض أسعار البضائع بقطر(العربي الجديد)
+ الخط -

يجد رجل الأعمال القطري الشاب حمد المري، تعاونا كبيرا من أصحاب سيارات نقل البضائع منذ الحصار المفروض على الدوحة من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر في 5 يونيو/حزيران من العام الجاري، بعد تجربة مريرة عانى منها قبل الحصار إثر محاولته خوض غمار تجربة الانضمام إلى تجارة التجزئة في قطر، عبر التعاون مع التجار والمستوردين، ونقل البضائع إلى المحال الصغيرة والكبيرة، كما قال لـ"العربي الجديد".

عقب انطلاق عمله في بداية عام 2016، واجه رائد الأعمال المري عقبة غلاء أسعار سوق النقليات، فما يدفعه ثمناً للبضائع يقارب في بعض الأحيان ما يقوم بدفعه في مقابل عملية النقل في مرحلة"، وهو ما تؤكده شكاوى عديدة تلقاها عضو مجلس الشورى القطري، سعيد السحوتي، والذي قال لـ"العربي الجديد": "تلقينا شكاوى سابقة من ارتفاع أسعار النقل، بسبب عملية الاحتكار من قبل السائقين المشغلين للسيارات العاملة في القطاع، لكن الوضع يتغير حاليا إذ تمضي قطر نحو استحقاقات تنموية، في أعمال البناء والزراعة، وغيرها من القطاعات، وسوق النقليات عليه دور كبير في تحقيق استقرار في الأسعار".

تراجع تكاليف النقل بعد الحصار

"تقدم شركات النقل أسعارا منخفضة عما كان عليه الحال قبل الحصار، وإن كان هذا التراجع طفيفاً، إلا أنه يبقى مجدياً في ظل طموحات متزايدة بتراجع أكبر في أسعار النقل" حسبما يقول رائد الأعمال المري، وهو ما يؤكد عليه نائب رئيس المجلس البلدي السابق والعضو الحالي عن دائرة الدوحة الحديثة المهندس جاسم المالكي، موضحا لـ"العربي الجديد" أن الحصار كان له أثر واضح في تراجع الأسعار بسوق النقليات، وإن وقعت بعض الأضرار على سيارات النقل في بداية الحصار، بسبب تراجع الحركة والتي سرعان ما عادت إلى معدلاتها بعد تنويع مصادر الاستيراد".

يتطابق تصريح المالكي مع تأكيد المهندس أحمد الجولو رئيس جمعية المهندسين القطرية والذي قال لـ"العربي الجديد" إن النقليات كانت تشكل أحد أبرز المشكلات أمام الكثير من القطاعات، وفي مقدمتها القطاع العقاري الذي يحتاج إلى ذلك القطاع لنقل وتوزيع مواد البناء في مختلف مراحل العمل، غير أن أسعار النقل شهدت في الأشهر القليلة الماضية تراجعا طفيفا أثّر إيجابا في قطاع النقل، بعد أن ارتفعت أسعار النقل فوق المعدلات الطبيعية قبل الحصار، إذ كان سعر حمولة سيارة النقل الكبيرة من الرمل 100 ريال (27 دولارا أميركيا) في مكانها، في حين أنها تصل إلى بعض المناطق داخل قطر، ولا تبعد أكثر من 60 كيلومتراً عن مكان التحميل، بأسعار تبلغ 1200 ريال قطري (328 دولاراً)، ولا تقل قيمة نقلها في المتوسط عن 500 ريال (136 دولاراً) بالنسبة للسيارات الصغيرة، لكن هذه الأسعار بدأت بالتراجع بعد الحصار بنسبة تقارب 10% تقريباً وفقا لتأكيد رجل الأعمال القطري أحمد الخلف، والمتخصص في قطاع التجزئة، والذي توقع في إفادته لـ"العربي الجديد" أن تصل الأسعار إلى معدلات مناسبة للجميع.​



أسباب ارتفاع الأسعار

وثقت معدة التحقيق، أسعار النقل قبل الحصار وبعده عبر جولات ميدانية في أسوق الحراج والمركزي والغانم القديم، وبحسب تجار وسائقين، فإن عملية الاتفاق الضمني على تسعيرات مرتفعة قبل الحصار، تتراجع تدريجيا بعد الحصار، إذ انتهت مرحلة رفض مشغلي سيارات النقل العمل في مقابل تسعيرة مرتفعة شبه موحدة لنقل البضائع وتوزيعها على محلات التجزئة ليصبح الحال بعد الحصار مختلفا، إذ يقبل المشغلون ويبدون استعدادهم لنقل أي كمية من البضائع، بأسعار مناسبة ومتفاوتة.

ويبرر مشغل السيارات صفر عبدالرحمن، التراجع في أسعار النقل بعد الحصار بانخفاض هامش الربح الذي يطلبه السائقون، بعدما تسبب الحصار في أيامه الأولى في تغيير آلية عملهم، كما يقول، مشيرا إلى أن السوق لم يعد يحتمل الزيادة الكبيرة في الأسعار التي كانوا يضيفونها من قبل، إذ لم تكن أعمالهم تنتهي على مدار اليوم، لكن حجم العمل الحالي يبقى مناسبا لتحقيق أرباح معقولة، إذ باتت شركات النقل تعتمد على البضائع القادمة عبر ميناء حمد، ومطار حمد الدولي، ما خلق حالة من النشاط، خاصةً مع الأعمال التي لا تنقطع في المنفذين، فضلاً عن نشاط السوق المحلي في قطاعات مثل الزراعة، وهو ما دعا الغرفة التجارية إلى العمل على تقييم حركة السوق وآليات عمله الحالية كما أكد لـ"العربي الجديد" مصدر في الغرفة رفض الكشف عن هويته لكونه غير مخول بالتصريح للإعلام، مشيرا إلى عملهم حاليا على دراسة كافة قطاعات الاستثمار في الدولة.



انخفاض أسعار بعض السلع

تراجع أسعار نقل البضائع أدى إلى تراجع طفيف في أثمان بعض البضائع، فيما ظلت أسعار أخرى على حالها، نتيجة لارتفاع سعر النقل البحري مقارنة بالبري وفق تأكيد رجل الأعمال جابر عنتر المنخس لـ"العربي الجديد"، والذي أكد ضرورة استقرار السوق المحلي، ولا سيما بعد تراجع أسعار النقل، "وهو تراجع معقول بالنسبة للمستثمرين"، كما يقول رجل الأعمال الخلف، قبل أن يصمت قليلا، ثم يستطرد: "سوق النقليات له تأثير مباشر على الكثير من القطاعات الاقتصادية في الدولة، فضلاً عن التأثير المباشر على الأسعار، سواء كانت منتجات غذائية، أو عقارية، أو في القطاع الصناعي"، مضيفاً أن "أسعار السلع تتأثر بسوق النقليات داخل قطر، إذ إن نقل حاوية "كاونتر" من الدولة الموردة إلى قطر يتكلف قرابة 1500 دولار، تزيد، أو تنقص بحسب الدولة، ومعايير أخرى، في حين أن نقل الحاوية من الميناء داخل قطر إلى مخازن رجل الأعمال تصل قيمته إلى نفس التكلفة، وهو ما يعد أمرا غير صحي لأي اقتصاد في العالم".


مخالفات قانونية

في يوليو/تموز من عام 2014، قرر مجلس الوزراء القطري إنشاء لجنة تنظيم النقل الثقيل وفق القرار رقم (35) لسنة 2014، وتختص اللجنة بدراسة جميع الأمور المتعلقة بشؤون النقل، وبخاصة السبل الكفيلة بتنظيم واقتراح الآليات المناسبة لذلك ووضع الأطر والقواعد التي تعمل على توطين نشاط سوق النقل، وترجع ملكية السيارات العاملة في سوق النقل إلى مواطنين، ولكن العاملين عليها من الآسيويين هم من يقومون بكافة التعاملات، مع الشركات أو الأفراد ويتفقون على سعر النقل، وفق مساومات ترتكز على اتفاق الطرفين لا على قاعدة ثابتة، كما يقول المهندس جاسم المالكي، موضحا أن حصة كبيرة من تلك المعدات ومركبات النقل مملوكة ظاهريا لقطريين، وهو ما يعد مخالفا للقانون القطري رقم (11) لسنة 2015 بإصدار قانون الشركات التجارية الذي ينظم العلاقة بين الشركاء، قائلا "يتم تسجيل المعدات بأسماء قطريين، ليكون الأمر موافقا للقانون، لكن الحقيقة أن المشغلين هم من يفرضون كلمتهم".

ويعترف مشغل السيارات صفر عبدالرحمن، بأن عددا من أبناء عمومته يعملون في قطاع النقل حتى صار لهم أعمالهم الواسعة، غير أنه نفى فكرة تعمدهم السيطرة هم أو غيرهم من المشغلين على الأسعار، إلا أن رجل الأعمال الخلف يرى أن "الظاهرة حقيقية وعانى منها رجال الأعمال" داعيا إلى المطالبة بضبط عملية التستر التجاري، وعدم السماح باستغلال مواد القانون من أجل تحقيق مكسب مالي، مطالباً بتشريع واضح يوقف استغلال بعضهم للقانون، ويسمح بمحاسبة محتكري سوق النقليات، بينما يقول النائب سعيد السحوتي إن "قطاع النقليات شأنه مثل باقي القطاعات، يتم تمليكه للقطريين، وأغلبهم يتعاون مع آسيويين ليقوموا بعملية التشغيل، وبالتالي لا يمكن وقف أعمال الآسيويين في سوق النقليات، ما داموا ملتزمين بصحيح القانون، مشيرا إلى أن قطر دولة استثمارية مفتوحة للجميع، وتشجع على انخراط الأجانب في السوق المحلي".


إعادة تنظيم السوق

يرى النائب السحوتي، ضرورة ترك سوق النقليات على وضعه الحالي من حيث عملية التنظيم، في حين يتفق المنخس ورجل الأعمال الخلف على أهمية دراسة سوق النقليات بعد الحصار، وتحديد مدى تأثر القطاعات بالمشكلات التي كان يعانيها قطاع النقليات.

ويتابع الخلف: "الدولة عازمة على دعم القطاعات المحلية المختلفة، وهذا يعني أن قطاع النقليات سيتأثر إيجاباً بمختلف الأعمال في السوق المحلي"، معرباً عن أمله بأن يتم دراسة سوق النقليات بصورة مستفيضة بما يدعم هذا السوق المؤثر، وهو ما يؤكده المهندس أحمد الجولو رئيس جمعية المهندسين القطرية، موضحا أن السوق القطري مفتوح، ويخضع لمعايير العرض والطلب، وأن النقليات ستشهد خلال الفترة المقبلة المزيد من الاستقرار، مع هامش ربح معقول يتناسب مع حالة السوق، الأمر الذي يمكن أن يدفع السوق إلى المزيد من النشاط، خاصةً أن الدولة تتجه نحو دعم قطاعات الأعمال المحلية، وهذا في المحصلة يعني المزيد من الأعمال الداخلية التي تؤثر بصورة إيجابية على قطاع النقل.