النقد مرفوض لكن البوق مطلوبٌ بشدّة

03 ابريل 2019
الصورة
عباس كياروستامي: أين دموع صديقي؟ (فيسبوك)
العلاقة بين ناقد ومخرج غير سوية دائمًا. هذا معروف ومُتدَاول. السوية نادرة. الصدام غالبٌ. الثاني يظنّ الأول بوقًا له. هذا يحدث في العالم العربي، مع أن في الغرب سينمائيًا يصطدم ويواجِه ويَحْرَد ويشتم، ويُهاجم ناقدًا غير متّفق معه في رأي حول فيلم أو أكثر. العالم العربي غارقٌ في صدامات، لن تكون السينما وحدها حقلاً لها. الصدام، أي الرفض والإقصاء والرغبة في السيطرة، مسائل متجذّرة في النفس البشرية، العربية تحديدًا. 

هذا مُنسحبٌ على موزّعين أيضًا، يرون في رأيٍ نقديّ، يخالف توقّعاتهم ورغباتهم، ضررًا بمصالحهم. موزّعون لبنانيون عديدون (مثلاً) ينفرون من نقّاد، لأنهم يقولون رأيًا يراه الموزّعون سلبيًا، فيستشيطون غضبًا عليهم. كأنّ الموزّعَ مُنجزُ العمل. كأن العمل ملكٌ له. صحيح أن رأيًا "سلبيًا" (مع أن النقدَ نقدٌ، لكن البعض يُقسِّمه إلى سلبي وإيجابي، أو يُطالب بنقدٍ بنّاء فقط من دون أن يُفسِّر معنى "بنًاء"، وهذا كلّه مُسيء إلى النقد والسينما أصلاً) ربما يؤثّر على قرّاء يُفضّلون القراءة قبل المُشاهدة. هذا يحصل في الغرب. نقّاد لهم نفوذ على قرّاء، فيحاول مخرجون جعل العلاقة بالنقّاد صحّية، بأنْ يبقوا على مسافة منهم، أو يُثيروا نقاشات دائمة معهم.

هذا نفسه منسحبٌ أيضًا على ناشطين سينمائيين، أي على منظّمي مهرجانات سينمائية عربية، ومسؤولي جمعيات سينمائية. كأنّ على الناقد، والنقّاد قليلو العدد في العالم العربي، أن يكون "ناطقًا رسميًا"، لا أكثر ولا أقلّ. هذا بائسٌ. الصداقات مهمّة، لكن الصداقات الأهمّ تلك التي تتيح للطرفين أن يستمع أحدهما إلى الآخر، وأن يناقشه ويتواصل معه في المستويات الحياتية والمهنيّة كلّها. إذْ ما الذي يمنع قيام صداقة بين ناقد وموزّع، أو بين ناقد ومنتج، أو بين ناقد وناشط، شرط أن يكون الاستماع والحوار أقوى من توتر وتسطيح ومناكفة عشوائية، ومصالح مختلفة وإنْ يكن للموزّع والمنتج، تحديدًا، مصالح مالية على الأقلّ؟

الأسوأ من هذا كامنٌ في التعالي السينمائي على نقّاد، هم قلّة قليلة للغاية في العالم العربي ممن لديهم مصداقية نقاش وتفكيك وطرح وسجال. تعالٍ يقول به مخرجون أولاً، ويقول به موزّعون ومنتجون وناشطون أيضًا. مع هذا، فإنّ للصداقة جانبًا آخر: ناشطون سينمائيون مرتبطون بصداقات مع مخرجين ومخرجات ينفضّون عن ناقدٍ ويُهاجمونه، إنْ يُفنِّد الناقدُ العملَ السينمائي الخاص بأصحاب تلك الصداقات ويقرأه نقديًا، لأنّ الناشطين هؤلاء يظنّون أن تفنيدًا كهذا إساءة لأصدقائهم المخرجين/ المخرجات بشكل مباشر، فيُصبحون "مَلَكيّين أكثر من المَلك".



هذا مشهد لبناني عربي يُدركه ويعيشه نقّاد، هم قلّة في العالم العربي، في مقابل صحافيين فنيين وإعلاميين يملأون المشهد بوفرة لا طائل منها، وبثرثرة تُسيء إلى السينما، وإنْ تتجاوب الثرثرة مع العمل. سينمائيون عرب كثيرون يريدون صحافيين فنيين وإعلاميين، لا نقّاداً سينمائيين. هذه كارثة. لكن هذا غير مفاجئ، بسبب تربية جماعية لاواعية، تجعل سينمائيين عديدين وغيرهم من العاملين في السينما سلطويين، وهؤلاء "أبشع" من سلطويي السياسة والاقتصاد والطوائف والأمن.

وإذْ يُمكن تفهّم موقف مخرجٍ أو منتجٍ من ناقد، فإنّ موقف موزّع أو ناشط يبقى غريبًا وساذجًا، إنْ ينبع من مفهوم خاطئ للمهن، أو من صداقات تُحتّم على هذا أو ذاك اتّخاذ موقف سلبي من ناقد، لمصلحة مع مخرج أو منتج. والسيئ كامنٌ في تنطّح مرافقين (لعلّهم أصدقاء) لمخرج/ مخرجة أو لمنتج/ منتجة للدفاع عن عملٍ لا علاقة مباشرة لهم في صنعه، وفي مواجهة مخاطر وتحدّيات لإنجازه. لكن الأسوأ كامنٌ في موقف موزّع/ موزّعة أو ناشطٍ/ ناشطة، كأن العمل ملكٌ له/ لها.

كلامٌ كهذا غير متعلّق بالنقاش السوي، الذي يُتيح للجميع إمكانية تفكيك كلّ صنيع أو منجز وتعريته وتحليله ومقاربته، وفقًا لثقافة وتربية ومزاج وأهواء وهواجس وتأمّلات. هذا مطلوبٌ أصلاً، فهو الأنسب لتفعيل حيوية المهنة وتفاصيلها وحضورها. أما الإقصاء والتغييب والحَرَد والغضب، وهذة فاشلة بالمعايير كلّها لمستخدميها جميعهم، فتعكس تسطيحًا وحماقة، يبدو أنهما متفشّيان بقوّة في المشهدين اللبناني والعربي تحديدًا.



ربما يُقال إن تعميمًا كهذا مُسيء لمناقشة حالة صدام يحصل بين مخرج ومنتج وموزّع وناشط من جهة أولى، ونقّاد من جهة ثانية. سرد أسماء يفتح أبواب الجحيم على الجميع، خصوصًا أن كثيرين يُحصّنون ازدراءهم الطرف الآخر بكلام مبطّن أو غير علنيّ، ما يدفع الطرف المواجِه إلى التغاضي عن البوح والقول، إذْ لا دليل ولا إثبات. لكن، هناك سينمائيون/ سينمائيات يُجاهرون/ يُجاهرن علنًا بموقف عدائيّ من نقّاد، يقدرون على الفصل بينهم وبين صنيعهم، وإنْ يصعب ذلك غالبًا، أو يستحيل حدوثه أحيانًا. المجاهرة تستدعي ردًّا او نقاشًا علنيًا، وهذا حاصلٌ أحيانًا.

أما الصنيع، فنتاج كائنٍ تَحُول تصرّفاته أحيانًا دون الفصل بينه وبين صنيعه، وإنْ يجذب الصنيع إلى فصلٍ كهذا لشدّة تناقضه مع سلوك صانعه. فالصنيع، أحيانًا، أجمل وأعمق وأصدق وأهمّ وأكثر شفافية من صانعه، وهذا محتاج إلى علوم إنسانية لفهمه وتفسيره. أو ربما هذا منطق (لا واعٍ) بحدّ ذاته، فالعدائية والعنف اللفظي والتمرّد والتسلّط أمورٌ تجعل المرء أحيانًا مُبدعًا. ألم يكن ستانلي كوبريك "عنيفًا" (بمعنى القسوة) في تعامله مع ممثلين وفنيين وتقنيين يُشاركون جميعهم في تحقيق مبتغاه الإبداعي؟ ألم يمارس عباس كياروستامي تسلّطًا وتعذيبًا على طفلٍ، لدفعه إلى بكاء حقيقي يريده في "أين منزل صديقي؟" (1987)؟ وماذا عن آلية عمل يوسف شاهين، وإنْ يتمكّن شاهين من تثبيت علاقات صداقة مع عاملين سابقين معه، أحيانًا؟

أمثلةٌ كهذه تكشف تناقضًا يؤدّي غالبًا إلى حيوية إبداع وجمال، مُنبثِقَين من توتّر وصدام وتسلّط. لكن هذا كلّه مناقضٌ كلّيًا لتوتّر وصدام وتسلّط (أو رغبة تسلّط) لدى مُخرجين ومنتجين وموزّعين وناشطين، في علاقاتهم بنقّاد، مُنزّهين ومستقلّين عن كلّ "سلطة".
تعليق: