النقد السينمائي بين الفلسفة واللسانيات: "مصطلحات طنّانة" عن "ألعابٍ مرهفة"

03 يونيو 2020
الصورة
تشارلي شابلن: تصوير الجوع ملحمياً (Getty)
اتّهم سيدني لوميت النقّاد السينمائيين باستخدام "مصطلحات طنّانة" في التعليق على أفلامه، كـ"التكنيك البصري المثالي للتراجيديا" (فنّ الإخراج السينمائي، ص. 60)، أو قول لجيل دولوز عن المنظومة المغلقة للفيلم، والحركة والتغيّر والتركيب الديالكتيكي والنسبي والمطلق، والنور والظلام، والموضوعيّ والذاتيّ، والتركيب العضوي والعدم، إلخ، و"الصورة الفعل التي وعَت ذاتها"، في "امرأة من باريس" (1923) لتشارلي شابلن.

مَن يقارن هذا بما كتبه شابلن عن الفيلم نفسه سيشعر بالصّداع. أمّا من يقارن هذا كلّه بما كتبه رولان بارت عن "الأزمنة الحديثة" (1936) لشابلن أيضاً، في "أسطوريات"، فسيُدرك الفرق.

من أين جاءت المصطلحات الطنّانة؟ من الفلسفة. مصطلحات تتدحرج منذ مئات السنين وتكبرُ معانيها وتصير غامضة، بحيث يحتاج شرحها إلى مجلدات، بينما لقطات الأفلام تُدرَك في رمشة عين. أشدّ تلك المصطلحات طنيناً لدى دولوز: الحركة والأطروحة الأولى والثانية، والصورة الغريزة، وأزمة الصورة الفعل (الصورة الحركة، ص. 5 - 19).

كيف يقارب الدرس الفلسفي الفن عامة، والسينما خاصة؟ يستعير مقاربةَ الفن في الفلسفة الألمانية، التي تركّز على التحليل الماورائي أو النفسي للجمال، وعلى استعمال فكرة الجمال ذاتها في معناها الضيّق (موسوعة لالاند، ص. 97). النتيجة؟ نقد فلسفي يناقش الأفلام ويعمّم، لأنّ الفيلسوف مُنشغل بـ"معرفة أصول الوقائع كلّها وأسبابها" (موسوعة لالاند، ص. 97)، كما في البحث في إستيتيقا السينما، من دون إبراز أين تتجلّى في لقطات فيلم معين. وبينما يتحدّث دولوز عن الصورة ـ الاستدلال، يقول شابلن إنّه، في فيلمه "امرأة من باريس"، جعل "علم النفس محسوساً بواسطة ألعاب مسرحية مرهفة" (قصّة حياتي، ص. 275).
منْ يقارن هذا يشعر كأنْ لا صلة بين الموضوعين، رغم أنّ الحديث يتناول فيلماً واحداً.

أين تكمن المشكلة؟
أولاً: تريد الفلسفة بناء نسَق شامل. هي برهنة وتجريد ذهني. الفيلم سرد تجربة، والتجربة تُعْرض ولا يُبرهن عليها. بدل تناقضات ديالكتيك المفاهيم المجرّدة، يعرض الفيلم مواقف وأحاسيس.
ثانياً: تستثمر الصورةُ والسردُ الحسَّ المشترك، بينما تناهِض الفلسفة الحسَّ المشترك الخام الشائع، الذي يتوقّى الفحص.
ثالثاً: في المصطلحات الفلسفية، تكون العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية، يُدركها عارفُ اللغة فقط. بينما الصورة شكل محسوس، والعلاقة بين الاستعارة والأيقونة والرمز ومرجعه، بين الدال والمدلول، علاقة مشابهة. المُتلقّي الكوني يحدِس المعنى بعينه، لأنّه أمام نظام سيميائي يمثّل شابلن قمّته، لكونه ممثّلاً إيمائياً في أفلام لا لغة فيها (صامتة).
رابعاً: يتسبّب التعميمُ في نقدٍ مفرط في التنظير. فقيرة هي النظرية الفنية التي لا تُقدّم وقائع كافية من العمل الفنّي الذي تتناوله.
عندما يتحدّث بارت عن "الأزمنة الحديثة"، يقول إنّ "ما يعرضُه علينا (يقصد شابلن) هو صورة الكادح الذي لا يزال أعمى ومخدوعاً. تصوير الجوع عندَه يظلّ ملحمياً: الضخامة غير العادية للسندويتش. إنسان أعماه الجوع. هذا الإنسان لا يلتقي الطبقة العمالية إلاّ حين يلتقي الكادح بالفقير تحت أنظار (وضربات) الشرطة. يبيّن شارلو عماه للجمهور بشكل يرى فيه هذا الجمهورُ الأعمَى ومنظرَ هذا الأعمى. إظهارُ أحدٍ لا يَرى يُشكّل أفضل طريقة لكي نَرى بوضوح ما لا يَراه" (أسطوريات، ص. 47 – 48).

هكذا يشرح بارت دور المنظور في توضيح معنى السرد، وعندما يتحدث عما يجري على الشاشة، لا يستخدم معجماً فيزيائياً كما يفعل دولوز. للإشارة: يُعتَبر دولوز وبارت من أشهر الكتّاب الفرنسيين الذين اهتمّوا بالسينما، وكلّ واحد منهما اتّبع منهجاً مختلفاً عن الآخر.
النقد لغة واصفة. عند بارت، تستمدّ اللغة مفاهيمها من اللسانيات البنيوية. تأكيداً على جدوى هذا المنهج، كتب ميشيل فوكو: "حيثما يتعلّق الأمر بتحليل اللغة والميثولوجيات أو الحكايات الشعبية أو القصائد الشعرية أو الأحلام أو الآثار الأدبية أو حتى الأفلام، يساعد الوصف البنيوي على إبراز علاقات لم يكن بالإمكان إبرازها لولاه" (حفريات المعرفة، ص. 182). طبّق فوكو منهجه محلّلاً لوحة "الوصيفات" لفيلاسكيز في صفحات مذهلة في الفصل الأول من كتابه "الكلمات والأشياء".

باستثمار هذا المنهج، يمكن للسانيات البنيوية، المُساهِمة في تقدّم السرديات، أن تفيد النقد السينمائي بتقليص الانطباعية والعمومية. يهتمّ اللّساني بالجملة ولا يتعدّاها. كذلك "يصِف عالِم النبات الزهرة ولا ينشغل بوصف كلّ باقة الزهر"، بحسب بارت. هكذا يُحدّق منهج اللسانيات عن قرب في عيّنة، طارحاً أسئلة محدّدة، بدلاً من الثرثرة عن الصورة السينمائية.

للتخلّص من ذلك، لا بُدّ من معرفة تاريخ نقد الفن، ولا بُدّ من مراجع أساسية تسمح للمقال النقدي بإنتاج معرفة وخطاب سينمائي عميق ومؤثّر.

لبلوغ هذا الهدف، يمكن تحليل الفيلم أنتربولوجياً باستثمار منهج كلود ليفي ستراوس، أو سردياً باستلهام عمل جيرار جُونِي. بحسب الأخير، مهمّة الناقد الذي يحترم نفسه ليست عرض التصوّرات الشاملة، بل الانشغال بتفاصيل التحليلات، أي القراءات. بهذا المنطق، يرفض جُونِي أيّ نقد "ذي طابعٍ عام جداً، لا ينصبّ على أي فصل بعينه" (عودة إلى خطاب الحكاية، ص. 195). لم يكتفِ بالنصح، بل انتقل إلى التطبيق، وقدّم كتاباً ضخماً لحماية النصّ النقدي من فائض التنظير، بتقديم أمثلة من الرواية والفيلم عن بنية السرد، ونقاط قوّته وضعفه، وعن طريقة الإخراج (تقليدية أو مبتكرة)، وأداء الممثلين (حيوي أو ميكانيكي)، وتوظيف الديكور لتقوية السرد، ووظيفة الإضاءة في تفسير الشخصيات، إلخ.

هكذا، لا يكون المقال النقدي انطباعات ذوقيّة، أو تنظيراً سمّاه كارل ماركس "بؤس المثالية التأملية".

دلالات