النقاب اليوم والصليب غداً

09 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
قرّرت وزارة الثقافة المصرية إلغاء تولي رسامة منقبة إدارة مؤسسة ثقافية محلية تقع في إحدى المحافظات شمال القاهرة، على خلفية حملة شعواء شنّها مدعو التحضر والحداثة على الوزارة. ما اضطر الوزيرة إيناس عبد الدايم إلى التراجع عن القرار بعد صدوره بأسبوعين، لتجنّب تهمة الرجعية والتحجّر الفكري والتخلف الحضاري، وغير ذلك من حفنة الاتهامات التي رشقوا بها الوزيرة.
الوزيرة في الأصل فنانة، ولها باع طويل في الثقافة والفنون في مصر، وكانت قبل تولي الوزارة مدير دار الأوبرا المصرية. وقبل كل ذلك وبعده، هي ليست محجّبة، وبعيدة كل البعد عن أيٍّ من أطياف الجمود الفكري، أو الالتزام الديني، أو حتى التمسّك بالعادات والتقاليد المصرية التقليدية فكراً وسلوكاً. حاولت الوزيرة، في البداية، توضيح أن الاختيار جاء من خلال مسابقة تقدّم لها كثيرون، وفازت بها منى القماح (المنتقبة). وفق معايير موضوعية ووظيفية محدّدة، بواسطة الجهات المعنية، بغض النظر عن ديانة المتسابقين أو شكلهم أو عرقهم أو جنسهم أو زيهم، إلا أن هذا التبرير المنطقي لم ينجح في وقف الهجمة الشرسة، فآثرت الوزيرة السلامة والكرسي على منح السيدة التي فازت بالمنصب حقها.
لم يبحث هؤلاء الذين رفضوا تولي منقبة منصباً إدارياً في مؤسسة ثقافية، في مسوّغات فوزها بالمنصب، وما إذا كانت تستحقه بالفعل، أم ثمّة محاباة لها على حساب من هو أفضل منها، فسبب الرفض لديهم ينحصر في أنها منقبة، وهذا وحده يكفي دليلاً على عدم صلاحيتها للإدارة. فلأنها منتقبة، فهي بالتأكيد (في منطقهم) منغلقة العقل ضيقة الأفق متشدّدة الفكر منعدمة الأفكار.
لم يفكّر أي من هؤلاء، فيما إذا كانت مهام منصبها ومتطلبات العمل الإداري تستلزم كشف الوجه والتواصل المباشر المكشوف مع العاملين معها، والمتردّدين على المكان. ولم يُجهد أحدهم نفسه بالرجوع إلى السيرة الذاتية لمنى القمّاح، ليكتشف أنها رسامة لها تاريخ فني مميز وذات حضور وسمعة ثقافية ربما تفوق كثيرين من المتنطعين المتربصين بها.
ليست المعركة بالفعل مع شخص الوزيرة، ولا مع السيدة صاحبة النقاب، فهذه ليست المرة الأولى التي تتعرّض فيها سيدة منقبة أو محجبة للحملات التي ينطبق عليها بدقة مفهوم "التنمّر"، أو بالأصح "العنصرية" تجاه كل وأي رمز يشير إلى الإسلام، ولو من طرف خفي. فقبل أيام فقط، اضطر شيخ الأزهر إلى إصدار بيان رسمي، يؤكد وجوبية "الحجاب"، كونه فرضاً دينياً بحكم نصوص قطعية اللفظ والدلالة، وذلك رداً على حملة مشابهة ضد الحجاب، فلا غرو في التكالب على النقاب، فهو مسألةٌ جدليةٌ يتداخل فيها البعد الديني مع الاجتماعي.
الخطير في تلك المعارك المفتعلة أنها تمزّق نسيج المجتمع المصري والعربي، وإن ببطء وخفية، فهي تجسّد نزعة إقصائية، وتعكس كراهية مطلقة لكل ما هو إسلامي، ولو رمزاً أو شكلاً. بينما يتوارى هذا التربص، وتختفي تلك العنصرية تماماً أمام أي رمز أو سلوك يرتبط بالمسيحية أو اليهودية. لم يقل أحد إن اللون الأسود في زي القساوسة يثير الكآبة، ويذكّر بالموت والتشاؤم، فضلاً عن تشابهه مع زي الدواعش. أو إن تعليق الصليب في قلادة على الصدر وإطلاق اللحية ليس من صميم تعاليم المسيحية، ويجب التخلي عنهما، إذ يعكسان تعصباً دينياً وتشدّداً يتنافى مع روح التسامح والاعتدال التي تميز جوهر المسيحية. أو إن تغطية الراهبات رؤوسهن نوع من التشدد غير المبرر، حيث لا يرتبط الزهد والتبتّل بالزي والمظهر!
غض الطرف عن ذلك المنطق العنصري الإقصائي في حملات التحريض على النقاب، أو الحجاب، أو أي رمز إسلامي، سيفضي يوماً إلى المطالبة بالمثل مع الجميع. وعندئذ، سيكون على القساوسة والراهبات التزام الكنائس والأديرة، والتخلي عن تلك المظاهر (التي ستوصف بالرجعية المتطرّفة) في الأماكن العامة. وبجب ألا نندهش إذا خرج من يطالب بمنع المسيحيين من حمل الصليب أو رسمه وشماً على الجسد، فهي عادات وليست عبادات.