النظام يفرج عن عناصر من "داعش": ذريعة للتنكيل بالجنوب السوري

29 يوليو 2019
الصورة
سيطر النظام على جنوب سورية منتصف العام الماضي(فرانس برس)
+ الخط -

يثير الإفراج عن عدد من مسلحي وقياديي فصيل متشدد كان مبايعاً لتنظيم "داعش" إبان سيطرته على منطقة حوض اليرموك في جنوب سورية، مخاوف جدية من محاولة جديدة من قبل النظام السوري لاقتحام محافظة درعا تحت ذريعة محاربة الإرهاب، بعد فشله المتكرر في السيطرة بشكل كامل على هذه المحافظة، رغم اتفاقات "المصالحة" التي أجرتها فصائل المعارضة مع النظام والجانب الروسي. ولا تزال درعا تشكل مصدر قلق للنظام السوري، في ظل ظهور مقاومة شعبية، يرجح أنها تقف وراء استهداف مقرات وحواجز لقوات النظام، في وقت تحذر فيه المعارضة السورية من محاولة النظام شيطنة جنوب سورية لارتكاب المزيد من المجازر بحق أهله الرافضين لعودة السطوة الأمنية للنظام إلى المنطقة.

وأكد "تجمع أحرار حوران" أن جهاز المخابرات الجوية (الأكثر فتكاً بالسوريين بين أجهزة النظام الأمنية)، أفرج مطلع الشهر الحالي عن 80 عنصراً، بينهم قياديون سابقون، من فصيل "جيش خالد بن الوليد"، الذي كان مبايعاً لتنظيم "داعش" في الجنوب السوري. وكان النظام يحتجز هؤلاء منذ منتصف العام الماضي، بعد سيطرة قواته على منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي غير بعيد عن الحدود السورية الأردنية وعن هضبة الجولان المحتلة. وأشار "التجمع"، على معرفاته الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن من بين المفرج عنهم أشرف محمد البريدي من بلدة جملة، الذي كان مهندس التفخيخ في التنظيم، مع عدد من الذين كانوا في الجهاز الأمني للتنظيم، إضافة الى أحد الشرعيّين. واعتبر "التجمع" أن الإفراج عن عناصر الفصيل يأتي "في ظل التعقيدات الأمنية التي تشهدها المنطقة الجنوبية". ونقل عن قيادي سابق في الجبهة الجنوبية، التي كانت تابعة للمعارضة السورية المسلحة، قوله إن "العملية تأتي في سياق سعي النظام للتخلّص من معارضيه، الذين ما زالوا في المنطقة، من خلال دعم عناصر التنظيم المُفرج عنهم للقيام بعمليات أمنيّة محدودة تصب في مصلحة نظام الأسد وحلفائه من إيران وحزب الله في المنطقة".

وأوضح "التجمع" أن "أغلب المُفرج عنهم من أبناء منطقة حوض اليرموك، التي كانت المعقل الرئيسي لتنظيم داعش في الجنوب"، مشيراً إلى أن جميع المفرج عنهم "عادوا إلى منازلهم في قرى الحوض، وسط حالة استغراب من قبل الأهالي، لاسيما مع مزاعم نظام الأسد بشأن خشيته من وجود خلايا نائمة في المنطقة". وأشار إلى أنه بالتزامن مع عملية الإفراج "حذّر نظام الأسد قياديين في اللجنة المركزية بدرعا من وجود مجموعات تنتمي للتنظيم، وأنها ستشكل خطراً عليكم كعناصر وقياديين سابقين في الفصائل". وتوقع أن "تزداد عمليات الاغتيال والخطف في المحافظة، باستهداف المدنيين والعناصر والقادة السابقين في الفصائل المقاتلة، وذلك بدعم من حزب الله والمخابرات الجوية والفرقة الرابعة في المنطقة، لإعادة ضبطها أمنياً ونزع السلاح الفردي من عناصر الجيش الحر سابقاً الموجودين في المحافظة".


وكانت قوات النظام استعادت السيطرة على جنوب سورية منتصف العام الماضي عقب عملية عسكرية، تحت غطاء ناري روسي. وتبيّن لاحقاً أن قياديين في الجيش السوري الحر مرتبطين بالإمارات سهلوا عمليات تسليم جنوب سورية من دون مقاومة كبيرة للنظام والجانب الروسي. واختار عدد كبير من مقاتلي ومدنيي درعا والقنيطرة الرحيل إلى شمال غربي سورية خشية وقوعهم ضحايا عمليات انتقام واسعة يقوم بها النظام، خصوصاً أن الجانب الروسي غير مأمون الجانب، ولم يردع النظام عندما نقض اتفاقيات المصالحة في ريف دمشق ومناطق أخرى. وعقب الاتفاق مع المعارضة على تسليم سلاحها الثقيل والمتوسط، أخضعت قوات النظام منطقة حوض اليرموك، فانتهى أمر عناصر وقياديي فصيل "جيش خالد" في المنطقة.

وقال الناشط أبو محمد الحوراني، لـ"العربي الجديد"، إن "عدد عناصر التنظيم الذين كانوا في حوض اليرموك يبلغ نحو 1600 عنصر"، موضحاً أن "النظام اعتقل قرابة 400 منهم، وقتل في المعارك قرابة 250 عنصراً، فيما انتقل الباقي إلى البادية السورية في صفقة مع النظام". لكن النظام لم يستطع فرض سيطرة أمنية وعسكرية على قسم كبير من مدينة درعا وريفها، إذ سرعان ما ظهرت لجان مقاومة شعبية من الرافضين لاتفاقات التسوية والمصالحة معه، كانت وراء عمليات اغتيال عدد من ضباط النظام وعناصره. وهاجم عناصر هذه اللجان حواجز ومقرات لقوات النظام والأجهزة الأمنية، آخرها كان منتصف الشهر الحالي، حيث قُتل خمسة ضباط وأصيب آخرون من "الفرقة الرابعة" التي يقودها ماهر الأسد، بتفجير عبوة بحافلة في ضاحية مدينة درعا على الطريق الواصل بين مدينة درعا واليادودة. كما فشل النظام في الدخول إلى العديد من المناطق نتيجة الاتفاق الروسي مع فصائل المعارضة التي لا تزال تحتفظ بسلاح فردي، وهو ما يقلق النظام الذي يخطط للسيطرة الكاملة على الجنوب السوري الذي كان شهد الشرارة الأولى للثورة بدايات العام 2011.

من جانبه، رأى القيادي السابق في الجيش السوري الحر العميد إبراهيم الجباوي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن إطلاق سراح قياديين من تنظيم "داعش" يأتي "بعد أن فشل النظام في بسط سيطرته الكاملة على الجنوب، إثر التسويات التي أبرمت برعاية روسية، وبعد أن تزايدت عمليات استهداف رموز النظام وجنوده فيها، وبسبب التمدد الإيراني في جنوب سورية". وأعرب عن اعتقاده أن الهدف الحقيقي من وراء الإفراج عن هؤلاء هو "شيطنة المنطقة بالإرهاب المُصنّع أسدياً وبوتينياً ليبرر النظام اقتحام المنطقة أو استهدافها بشتى أنواع الأسلحة والذخائر الروسية الصنع، انتقاماً من أهلها الذين ما يزالون يرفضون الرضوخ لحكم الأسد". ولا يستبعد الجباوي أن ينجح النظام في مخططه "إذا ما أظهرت دول العالم، لا سيما العالم الغربي، خنوعاً أمام روسيا على غرار ما جرى ويجري في غير منطقة من سورية". وقال إن "النظام يمتلك وسائل القتل الجماعي، وكذلك يمتلك ويدير الجماعات الإرهابية التي أفرج عن عدد من عناصرها وقيادييها ليشكل حالة من الرعب بين الأهالي"، مشيراً إلى أن "باكورة إرهاب النظام في المنطقة بدأت السبت (الماضي)، حيث فجّر انتحاري يُعتقد أنه ممن أفرج النظام عنهم أخيراً نفسه بواسطة حزام ناسف وسط مجموعة من قوات النظام، جلهم ممن أجرى تسوية".

وكان عدد كبير من مقاتلي المعارضة، الذين أجروا تسوية مع النظام، رفضوا الانضواء في "الفيلق الخامس اقتحام" التابع للروس، كما رفضوا الذهاب إلى جبهات ريفي حماة وإدلب للقتال إلى جانب قوات النظام. ويعمل النظام على التخلص من الذين كانوا يقاتلون مع المعارضة في مختلف المناطق السورية، والتحقوا بعد ذلك بقواته من خلال زجهم في الصفوف الأولى في المجموعات التي تقاتل فصائل الجيش السوري الحر، كما تخلص من عدد كبير منهم بالتصفية المباشرة عقب اتهامهم بالتخاذل وعدم الجدية بالقتال.

المساهمون