النظام يضغط لتهجير أهالي قدسيا والهامة... على طريقة داريا

النظام يضغط لتهجير أهالي قدسيا والهامة... على طريقة داريا

28 سبتمبر 2016
الصورة
النظام خرق جميع اتفاقيات الهدن (عبد دوماني/فرانس برس)
+ الخط -
وسّعت قوات النظام السوري نطاق عملياتها في شمال غرب العاصمة دمشق، ضاربة بعرض الحائط اتفاق هدنة كانت قد أبرمته مع قوات المعارضة السورية، محاولة اقتحام بلدتي الهامة وقدسيا، واللتين تضمان مئات آلاف المدنيين، في مسعى جديد من النظام لإجبار مقاتلي المعارضة على الخروج الى مناطق في الشمال السوري، في إطار استراتيجية تهجير ممنهج، وتغيير ديمغرافي يعمل على تنفيذها في محيط العاصمة.

وقال عابد الشامي، من مجلس الهامة المحلي، إن قوات النظام ومليشيات طائفية تساندها حاولت صباح أمس الثلاثاء التقدم باتجاه بلدة قدسيا من محور حي الخياطين غرب البلدة، بالتزامن مع قصف بالمدفعية، والهاون، والدبابات، مشيراً، في حديث مع "العربي الجديد" من داخل البلدة، إلى أن فصائل المعارضة السورية تصدت لمحاولة الاقتحام، وردت القوات المهاجمة على أعقابها. وأشار إلى أن مليشيات طائفية تتبع للنظام متمركزة في جبل الورد (شرق) استهدفت المدنيين في بلدتي قدسيا والهامة بالرشاشات، بالتزامن مع محاولة الاقتحام، ما أدى إلى إصابة العديد منهم.

من جانبه، أشار عضو المكتب الإعلامي في الهامة، يعقوب الهاماني، إلى أن ما حدث "كان مفاجئاً في توقيته، خاصة أن هناك اتفاق هدنة مسبقاً"، مشيراً إلى أن الاشتباكات لا تزال متواصلة على أكثر من محور (خياطين والعراد) حول بلدة قدسيا. وأوضح الهاماني، في حديث مع "العربي الجديد"، أن قوات النظام تحاول اختبار جاهزية الثوار للتصدي لها، والضغط على المدنيين، مشيراً إلى أنه لم تتضح بعد الغايات النهائية من هذا التصعيد المفاجئ، إلا أنه لا يستبعد نية النظام إخراج مقاتلي المعارضة إلى الشمال السوري على طريقة تهجير داريا وقبلها الزبداني ثم الوعر.

وتقع قدسيا والهامة شمال غرب العاصمة دمشق بعدة كيلومترات، وانضمتا للثورة في أسابيعها الأولى من عام 2011، إذ جرى تمزيق صورة لحافظ الأسد كانت على واجهة بلدية قدسيا، في حدث كان مؤشراً على أن البلدتين قررتا الذهاب في الحراك الثوري إلى مداه الأقصى. وحاولت قوات نظام الأسد ومليشيات "الشبيحة" اقتحام بلدة قدسيا في أواخر عام 2012، وارتكبت مجازر بحق مدنيين، ونفذت عمليات إعدام ميداني، وعمليات سرقة واسعة للمحلات التجارية، والمنازل، لكنها لم تستطع إخضاع البلدتين فخرجتا عن سيطرة النظام منذ ذلك الحين. وتوصل النظام وفصائل المعارضة المسلحة إلى عدة هدن بعد ذلك، كان النظام يبادر إلى خرقها، فارضاً حصاراً على البلدتين لممارسة مزيد من الضغط على فصائل المعارضة كي توقع على اتفاق تخرج بموجبه إلى الشمال السوري. واضطرت هذه الفصائل في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي إلى الموافقة على اتفاق خرج على إثره عشرات من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم إلى محافظة إدلب في الشمال السوري، وتعهّد من بقي منهم بعدم التعرض لقوات نظام الأسد، مقابل إدخال المواد الغذائية والحد الأدنى من الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء.

وذكر الشامي أن هناك أكثر من 500 ألف مدني في البلدتين، بينهم عدد كبير من النازحين من غوطتي دمشق الشرقية والغربية، مشيراً إلى أنهم يعيشون ضمن ظروف إنسانية وصفها بـ "الصعبة". وقال "هذه الفترة هي الأسوأ منذ بداية الحصار الجزئي منذ أكثر من عام وثلاثة أشهر، فقد فرضت قوات نظام الأسد منذ شهر ونصف الشهر تقريباً حصاراً شبه تام على بلدة الهامة، وفقدت المواد الغذائية والتموينية والخضروات بشكل تام، وارتفعت أسعار الخبز بشكل جنوني"، مشيراً إلى أن الوضع في البلدتين "مفتوح على كل الاحتمالات".

وتسيطر على البلدتين المتلاصقتين فصائل تتبع إلى المجلس العسكري في دمشق، المنضوي تحت راية الجيش السوري الحر، وتضم مقاتلين من أبناء البلدتين. ولا يمكن عزل ما يجري في الهامة وقدسيا عما يحدث في محيط العاصمة دمشق من محاولات دؤوبة من نظام الأسد من أجل إجبار المعارضة السورية المسلحة على توقيع اتفاقيات هدن و"مصالحات"، مستخدماً سلاح الحصار، وإنهاك المدنيين بالجوع والخوف، تفضي إلى خروج مقاتلي المعارضة وعائلاتهم إلى مناطق في شمال سورية في إطار عمليات تهجير ممنهجة، الغاية منها تأمين العاصمة من جهة، وإجراء عمليات تجريف ديمغرافي لإبعاد أكبر عدد ممكن من "السنة" عن العاصمة وريفها، واستجلاب عائلات شيعية من ايران والعراق ولبنان، في إطار استراتيجية بعيدة المدى من قبل إيران ونظام الأسد هدفها تبديل هوية مناطق سورية، واللعب بالتركيبة السكانية للبلاد.

ونفذت قوات النظام السوري ومليشيات طائفية مؤخراً عملية تهجير لكامل سكان مدينة داريا على التخوم الجنوبية الغربية للعاصمة، وهي في طريقها إلى تنفيذ سيناريو مشابه في مدينة معضمية الشام غرب العاصمة، وفي جنوب دمشق، وتضغط الآن باتجاه إخلاء بلدتي قدسيا والهامة من أكبر عدد ممكن من سكانهما. وتحيط بالبلدتين مساكن عشوائية مستحدثة يقطنها موالون قدموا إلى العاصمة من مناطق في الساحل السوري، وتحولت هذه المساكن، خاصة في جبل الورد، ومساكن الحرس الجمهوري، ومساكن الديماس، إلى مراكز لمليشيات "شبيحة الفئة الأكثر دموية من مؤيدي الأسد"، وهي مارست، ولا تزال، منذ بدء الثورة عمليات يصفها ناشطون بـ"القذرة" بحق سكان البلدتين، من قتل، واعتقال، وسرقة، وقصف عشوائي يودي بحياة مدنيين، إذ منحها النظام حرية التصرف من أجل وأد الثورة.

المساهمون