النظام العالمي الجديد

05 سبتمبر 2019
يستشعر المرء أن هناك فوضى عارمة تضرب البشرية في السياسة والاقتصاد، وفي القيم والأخلاق، وما إلى ذلك. لم يكن انهيار جدار برلين إيذانا بنهاية المعسكر الاشتراكي وتفتت الاتحاد السوفييتي فقط، ولكن إيذانا بنهاية حقبة وبداية أخرى، وكان غزو العراق للكويت، والذي لم نفهم لحد الآن أسبابه ولا مسبباته، إيذانا بخروج المارد من القمقم وبداية ما يسمى تشكل العالم الجديد، والذي ما زلنا نعيش عسر ولادته. ولكن السؤال اليوم ليس في تشكله أو ولادته، لأن ذلك سيحدث عاجلا أم آجلا. وإنما السؤال هو: من تم تكليفه بكتابة السيناريو؟ ومن سيسهر على الإخراج؟ وكيف سيكون شكل المولود الجديد؟
يبدو أن كل المؤشرات تشير إلى أننا وبالمعطيات المتوفرة نسير في طريق صنع كارثة بشرية، والتي ربما تنتهي بحرب عالمية لا تبقي ولا تذر. ولنا في التاريخ أمثلة صارخة عن ذلك وآخرها الحرب العالمية الثانية.
ما تسمى الآن مراكز القرار العالمية من بنوك وهيئات استشارية ولوبيات للضغط تعج بطينة من الخبراء الذين ينظرون للعالم وكأنه حقل للتجارب، ويمكن أن نجرب فيه كل شيء، ناهيك بكفرهم المطلق بالأيديولوجيا، والتي يعتبرونها جزءا من التاريخ انتهى.
أما على مستوى من يحكم، فقد تكفلت وسائط التواصل الاجتماعي بتوجيه الناخب والتأثير عليه. وفي ظل الانحطاط البين للخطاب، وضمنه السياسي، بدأنا نرى كيف يكتسح الشعبويون والعنصريون الفضاء السياسي ويحكمون سيطرتهم عليه والذهاب به نحو الهاوية. أتساءل: كيف انحدرنا مثلا في فرنسا من أندري مالرو إلى مارين لوبين، وقس على ذلك في باقي الدول.
لقد أذن فوكوياما بنهاية التاريخ، وقال بانتصار النظام الرأسمالي. فهل سيكون انتصارا على الإنسان الذي أنتجه؟ وهل نحن أمام صورة العالم التي نرغب فيها؟ السياسة لا يمكن أن تقوم إلا بالسياسيين، وهي تستمد روحها من العلوم الإنسانية التي تستقي بدورها شرعيتها من قيم الأنوار والعدالة الاجتماعية. كم يثير اشمئزازي سماع هؤلاء الخبراء السياسيين أو التكنوقراطيين يتحدثون عن لعبة المصالح وموازين القوى أو توازن الرعب في ما تسمى قراءة واقعية للوضع، أو في قراءة استباقية لما سيقع، وكأننا أمام ضرب للطالع، مع أن معظم ما يقع يكون مخالفا لما تم التنبؤ به، على الرغم من أن ميزانيات خيالية تصرف في معاهد وخلايا لاستشراف المستقبل.
لسنا ممن يقولون إن ليس بالإمكان أبدع مما كان، وليست لنا نظرة حالمة للسياسة والسياسيين، ولكننا نقول إن السياسة شأن السياسيين. أما مكان الخبراء، فسيكون في المختبرات، والديمقراطية أن يحكم الشعب نفسه بانتخاب نخبه، وليس عبر الشعبوية. ولسنا في حرب للاستحواذ أو الإقصاء، ولكن نحن في مسعى للعيش المشترك بين الأفراد والدول.
ما يقع من فوضى عارمة في منطقتنا العربية وبقية العالم، هو في انبهارنا المبالغ فيه في صعود التقنية حتى اعتقدنا أنها الحل السحري لكل مشاكلنا، فأصبحنا نقارب كل شيء تقنيا حتى شؤوننا الاجتماعية ومنها السياسية.
يذكرني ذلك بحكاية تحكى عندنا في المغرب، أن مجموعة من الناس جاؤوا يطرقون باب سيدة ليخبروها أن زوجها سقط في ساحة السوق الأسبوعي، فكان جوابها: "حتى أنا فكرت في أنه سيسقط قريبا أو بعيدا. لقد خرج من هنا من البيت وقد كان مائلا".
61DEFE61-91F9-4356-8155-863C0BD38500
عبد الحق مفيد (المغرب)