النظام السوري يفتك بقادة "المصالحات" و"الضفادع": صفعة لروسيا

08 فبراير 2019
الصورة
ساهم بسام ضفدع في إسقاط الغوطة الشرقية(ماهر المونس/فرانس برس)
يواصل النظام السوري سياسة التخلص ممن اصطلح على تسميتهم "رجال المصالحات" الذين ساعدوه على إبرام اتفاقات المصالحة في مناطق كانت خارجة عن سيطرته، ما يؤكد أن الأخير ماضٍ في الانتقام من كل مخالفيه. كما وصل انتقام النظام إلى حدود اعتقال شخصيات بارزة تركت صفوف المعارضة وعادت للعمل معه ووفق شروطه، في رسالة واضحة مفادها أن لا نجاة لأحد ممّن عارضوا النظام. ولم تقف الضمانات الروسية حائلاً دون فتك النظام السوري فيما بات يُعرف سوريّاً اصطلاحاً بـ"الضفادع" (نسبة الى بسام ضفدع الذي سهَّل عملية سقوط الغوطة الشرقية) الذين ساعدوا قوات النظام والمليشيات الإيرانية عسكرياً ودعائياً، على إخضاع العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، وكانوا بمثابة "طابور خامس" عمل على تعميم خطاب اليأس والاستسلام، وهو ما أدى إلى انشقاق المئات من مقاتلي المعارضة وتسليم أنفسهم للنظام.

وفي أحدث تطور على هذا الصعيد، اعتقل جهاز الأمن العسكري في دير الزور، يوم الإثنين الماضي، محمد الجدعان، أمين سر ما يُسمّى بـ"مركز المصالحة" الذي ترعاه روسيا في دير الزور، ونقله إلى جهة مجهولة. وكشفت مصادر محلية أن أسباب الاعتقال المفاجئ غير معلومة. ويقود الجدعان مقاتلين من أبناء العشائر ضمن المليشيات المحلية المساندة للنظام السوري في دير الزور. وسبق له أن أسهم في عقد مؤتمر القبائل الذي تم تنظيمه من قبل النظام في بلدة أثريا في 25 يناير/كانون الثاني الماضي، والذي جمع خلاله النظام عن طريق الجدعان عدداً من شيوخ قبائل دير الزور والرقة، في محاولة تبدو يائسة للعودة إلى منطقة شرقي نهر الفرات.

وكان الجدعان قد ظهر أخيراً في لقاء مع قناة "الإخبارية" التابعة للنظام، تحدث فيه عن انتقاله من العمل لصالح "الائتلاف السوري المعارض" إلى العمل مع تنظيم "داعش"، ثم العودة للعمل لصالح النظام بعد حصوله على ضمانات روسية.

وبحسب مصادر مطلعة فقد "أسهم محمد الجدعان في انخراط آلاف الشباب من أهالي دير الزور ضمن مليشيات النظام السوري بعد إجرائه عمليات المصالحة والتسوية. كما كان له دور في إعادة المئات منهم من لبنان وتركيا والأردن". وأضافت المصادر لـ"العربي الجديد"، أن "النظام اعتقل أخيراً الشيخ القبلي نواف راغب البشير شيخ قبيلة البقارة في سورية، والذي كان من أبرز الشخصيات المعارضة للنظام، قبل أن يتصالح معه عائداً إلى سورية، منتصف عام 2017، ومشكّلاً مليشيا تابعة للإيرانيين، مع تجديده الولاء لبشار الأسد". ونوّهت المصادر إلى أن "البشير تماهى في المشروع الإيراني في محافظة دير الزور التي ينتمي إليها، ولكن النظام يبيّت الانتقام منه، منتظراً الفرصة المناسبة لذلك". وأكدت مصادر إعلامية معارضة أن "النظام استغل تجاوزات مليشيا البشير في دير الزور لاعتقاله رغم الخدمات التي قدمها للنظام والإيرانيين بعد عودته إلى سورية".

وفي الجنوب السوري، باشر النظام تضييق الخناق على "رجال المصالحات"، فاعتقل الأسبوع الماضي اثنين من مسؤولي التسوية بينه وبين المعارضة في محافظة درعا، هما طلال وعمران الزهري، المسؤولين عن ملف تسويات بلدة محجة في ريف درعا، من دون توجيه أي تهمة لهما. وسبق أن قُتل نهاية العام الماضي، عايد الخالدي قائد المجلس العسكري التابع للجيش السوري الحر سابقاً، في قرية خراب الشحم التابعة لبلدة تل شهاب (15 كيلومتراً غرب مدينة درعا) جنوبي سورية، خلال محاولة اعتقاله من قبل فرع المخابرات الجوية. كما اعتقل النظام في سبتمبر/أيلول الماضي أيهم الجهماني، القيادي السابق في الجيش السوري الحر، الذي أبرم "المصالحة" مع نظام الأسد، بضمانة روسية، تم بموجبها تسليم مدينة نوى، وسلاح مقاتليها. كما اعتقل النظام العديد من قادة المصالحات في درعا أواخر العام الماضي، منهم ياسر الرشدان الذي كان قيادياً في الجيش السوري الحر.

وأعدم النظام أيضاً في نهاية العام الماضي، عدداً من قادة المصالحات في حي برزة الدمشقي، وفي مقدمتهم قائد ما كان يُعرف بـ"اللواء الأول" أبو الطيب، والقيادي السابق في "جيش الإسلام"، أبو عبدو الزيبق، الذي أصبح بعد "التسوية" قيادياً في مليشيا تابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني. كما أعدم النظام سمير الشحرور الملقب بـ"المنشار"، وذلك في سجن صيدنايا العسكري بريف دمشق في 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، على الرغم من كونه من أبرز المسؤولين عن تسليم حي برزة للنظام.

كما اعتقل معاوية البقاعي المعروف باسم "أبو بحر"، بعد إعطائه الأمان للعودة من الأراضي اللبنانية التي هرب إليها بعد اعتقال كافة أصدقائه من قيادات "اللواء الأول"، وإعدام صديقه "المنشار". ولم يتوقف النظام عند هذا الحد، فكان ريف حمص الشمالي مسرحاً لاعتقالات طاولت العديد من قادة المصالحات والضباط، الذين اعتقدوا أن اتفاق المصالحة برعاية روسية يمكن أن يجنبهم الاعتقال والتصفية. وذكرت مصادر محلية أن "قوات النظام اعتقلت في سبتمبر الماضي عبد الرحمن الضحيك، والشيخ أحمد جمعة، اللذين كانا مِن قضاة المحكمة الشرعية سابقاً في مدينة تلبيسة شمال حمص. كما اعتقلت عدداً من العسكريين من الجيش السوري الحر بينهم قادة، وجميعهم كانوا يروّجون للمصالحة والتسوية مع النظام قبل إحكام سيطرته على المنطقة". وأطلقت قوات النظام سراح سبعة من الضباط المنشقين عن صفوفها شمال حمص وسط سورية، رفضوا الخروج عقب اتفاق المصالحة، بعد اعتقال دام نحو شهرين في أقبية الأجهزة الأمنية التابعة للنظام.

ورأى المحلل العسكري العقيد مصطفى البكور، أن "الاعتقالات التي تطاول قادة المصالحات، رسالة واضحة من قبل النظام، أنه لا يوجد عفو عن أحد، وكل من وقف ضد النظام يُحاسب حتى لو صالحه"، مضيفاً أن "النظام لا يثق بالمصالحين". ورأى أن "مناطق الجنوب السوري (القنيطرة ودرعا)، والغوطة الشرقية للعاصمة دمشق، وريف حمص الشمالي، اضطرت لعقد اتفاقات مصالحات مع النظام تحت رعاية روسية، كان من المفترض أن تكف يد قوات النظام عن قاطني هذه المناطق. ولكن النظام، كعادته، ضرب بعرض الحائط هذه الاتفاقات، فاعتقل وصفّى المئات من شبان هذه المناطق، وقاد آخرين إلى التجنيد في صفوف قواته، بل دفعهم إلى مناطق التماس مع قوات المعارضة التي كانوا جزءاً منها، أو مع تنظيم داعش". وأعرب البكور عن اعتقاده بأن "ما يجري من اعتقالات يتم بتوجيه إيراني ومن حزب الله، للضغط على المتصالحين للانضمام إلى المليشيات التي يدعمها الحرس الثوري الإيراني".

من جانبه، فتح النظام الباب لتقديم شكاوى لدى القضاء من قبل أشخاص مرتبطين به، بحق من يريد اعتقاله من قادة المصالحات، بتهمة القتل والسرقة، في المناطق التي دخلها وفق اتفاقيات كان الطرف الروسي ضامناً فيها. ومن الواضح أن النظام لا يكترث لتداعيات هذه الخطوة تحديداً لجهة إمكانية تأثير العلاقة مع روسيا، بعدما شملت حملته اعتقال قادة المصالحات المرتبطين بقاعدة حميميم الروسية في الساحل السوري.

وذكرت مصادر محلية مطلعة في العاصمة دمشق لـ"العربي الجديد" أن "هناك جهات في النظام تدفع باتجاه الانتقام من كل المعارضين البارزين حتى لو كانوا أجروا مصالحات"، مضيفة أن "النظام تخلّص من ضباط كبار في جيشه لمجرد الشك بولائهم المطلق، فكيف يسكت عمّن عارضه وقاتله طيلة سنوات؟ من يثق بالنظام ووعوده يدفع الثمن اعتقالاً أو قتلاً". وأضافت المصادر أن "النظام يطبّق قاعدة: من لم يكن معي منذ البداية فهو ضدي، ومن هنا يحاول النظام الإطباق على كل معارضيه، تحديداً الشخصيات التي كان لها دور عسكري أو سياسي أو حتى مدني بحت".