النظام السوري يشجع عناصره على فرض "الإتاوات" مقابل الولاء

27 يونيو 2017
الصورة
فرض الإتاوات على حواجز النظام ليس جديداً(لؤي بشارة/فرانس برس)
الابتزاز والإتاوات والرشوة تحت ذرائع متعددة، مثل "الإكرامية" أو "شوفة الخاطر"، أو "ثمن فنجان قهوة"، هي ممارسات رائجة ومعهودة بالنسبة للسوريين، في ظل منظومة الفساد المكرسة من قبل النظام. إلا أن الصراع الدائر في البلاد فاقم هذه الظاهرة بشكل كبير، عقب انتشار الحواجز بشكل مكثف بين المدن وداخلها. وأصبح دفع الإتاوات من قبل المواطنين الذين يريدون اجتياز هذه الحواجز، أمراً واقعاً ويُمارس بشكل علني، إلى درجة أن بعض الحواجز "تجني أرباحاً" كبيرة من جراء ذلك. هكذا، بات السوريون يصفون بعض نقاط التفتيش بـ"حاجز المليون" بسبب ضخامة الإتاوات التي يتم جمعها يومياً. وكل ذلك على مرأى ومسمع قيادات النظام السوري، التي شرّعت هذه التجاوزات طوال عقود مضت.

ومن يزور مناطق النظام آتياً من لبنان عبر البوابة الحدودية السورية اللبنانية في ريف دمشق، يدرك ما تعنيه حواجز النظام وبأي شكل تؤخذ الإتاوات. ففي سيارات النقل العام على خط دمشق بيروت، وقبل الوصول إلى الحدود السورية، يجهز السائق حقيبة بلاستيكية تحتوي على عدد من علب السجائر مختلفة الأنواع. ويضع في جيبه بضعة أوراق نقدية سورية من فئة الألف ليرة، بحسب رواية سائق سيارة أجرة على خط دمشق بيروت، يدعى أبو عدي. ويضيف "نصل إلى البوابة الحدودية السورية، نأخذ البطاقات الشخصية والجوازات وما هي إلا لحظات حتى نعود مع ختم أوراق الدخول للركاب". ويتابع أن "العملية تتم بسرعة كبيرة، لكن الحاجز يأخذ مقابل مرور كل شخص إتاوة بقيمة خمسمائة ليرة سورية". ويؤكد أنه في حال "كان بين الركاب شخص مطلوب أمنياً وممكن أن يكون إرهابياً، فحينها تصبح التسعيرة إلى 30-40 ألف ليرة، ويتصرف عناصر الأمن وكأن اسم المطلوب لم يظهر لهم، وهذا يحصل عند الدخول أو الخروج"، وفق تعبير السائق نفسه. ويلفت إلى أن "عنصر الجمارك يكون حاضراً أيضاً بسؤاله لسائق سيارة الأجرة: ماذا بحوزتك اليوم؟". وبمجرد أن يخبره بالتفاصيل، يبلغه عنصر الجمارك بالتسعيرة المطلوب تسديدها كإتاوة، وإلا سيكون البديل أن يذهب السائق إلى معاملة الجمرك وعندها سيدفع مبلغاً كبيراً. ويوضح أبو عدي أن "المشكلة ليست هنا، لكن على الرغم من أنك تدفع لهم، إلا أنهم يعاملون الشخص بقلة احترام"، وفق تأكيده.

ولا تنتهي عملية فرض الإتاوات عند المعابر الحدودية. في الداخل، تنتظر السائق حواجز عديدة وإتاوات جديدة. ويروي أبو عدي في هذا السياق، قائلاً "تتابع السيارة تقدّمها إلى دمشق، حيث يوجد العديد من الحواجز، وكلما مررنا على حاجز يقترب العنصر من نافذة السيارة وبنظرة غريبة وكأنه اكتشف وجود إرهابي بيننا ممزوجة بإحساس لا يخلو من التكبر والازدراء، ويقول: ماذا جلبت لنا معك؟ فأعطيه علبة سجائر ليضرب على السيارة، قائلاً لي: تحرّك تحرّك، في وقت يرمي فيه العلبة داخل برميل بجانبه يكاد يمتلئ بعلب السجائر، وهذا البرميل يُفرغ في كل نوبة تتراوح بين 6-8 ساعات"، وفق الرواية التي اعتاد سماعها السوريون. ويضيف السائق نفسه أن "هناك حاجزاً استثنائياً هو حاجز الفرقة الرابعة، وهذا يأخذ علبتيْ سجائر ذات نوعية فاخرة، إضافةً إلى تحويلنا إلى طريق فرعي يوصلنا إلى ساحة ترابية للتفتيش". وهنا ينبه السائق الركاب قبل الوصول إلى الحاجز بأنه في حال كانت حقائبهم تحوي أشياء ثمينة، فعليهم أن يحملوها بأيديهم، لأنه سبق أن اشتكى ركاب كثر من فقدانهم لأشياء كانت بحقائبهم عقب التفتيش على هذا الحاجز. ويعلق أبو عدي قائلاً إن "هذه الحواجز تكلفني بكل سفرة نحو 15 ألف ليرة"، بحسب تعبيره.


ولا يختلف الوضع في دمشق كثيراً، إذ تنتشر الحواجز في جميع شوارع المدينة تقريباً. أما الإتاوات في العاصمة السورية فتفرض على سيارات النقل بغض النظر عما تحمله من بضاعة أو خردة أو أثاث منزلي لمواطن يحاول أن يجد مكاناً يؤويه. وقد تكون الحواجز المنتشرة في مناطق سوق الهال الحريقة، والحمدية والفحامة والحمرة والصالحية وغيرها في قلب دمشق، هي الأكثر تحصيلاً. وهناك يمكن أن تشاهد عناصر من تلك الحواجز وهي تسحب شيئاً مما تحمله تلك السيارات. وعلى حاجز الفحامة، يمكن مشاهدة عنصر أمني يمد يده عبر نافذة السيارة ويسحب منها قطعتين أو ثلاثاً تبدو كملابس أطفال. وفي الزبلطاني، يمكن رؤية عنصر يقف أمام سيارة محملة بالخضار، وينتقي منها بعض ما يحلو له.

وفي سوق الحمرا، يتحدث بائع ألبسة جاهزة لـ"العربي الجديد" عن سبب ارتفاع الأسعار، ويعزو ذلك إلى ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية (الدولار يساوي 500 ليرة تقريباً). لكنه يفرد جزءاً كبيراً من حديثه عن الإتاوات التي يدفعونها لنقل البضاعة من الحريقة إلى الحمرا والمسافة بينهما مئات الأمتار. ويقول "إذا أخذوا قطعتين فقط سنضطر لتحميل سعرها على باقي البضاعة ونحن تجار تجزئة ما يعني أن الفارق سيكون واضحاً"، بحسب تعبيره. ويروي شخص آخر أنه منذ أيام، شحن إلى السويداء بضاعة من طرطوس وقد كلّفه الطريق 350 ألف ليرة، كناية عن المبالغ التي دفعها كإتاوات للحواجز، بحسب رواية تكشف عن معاناة مشتركة للتجار والمواطنين السوريين.

وفي هذا السياق، يقول الناشط في دمشق، عمر الشامي، إن "موضوع الإتاوات والرشوة ليس جديداً على النظام، ولكن هذه الممارسات كانت تُشاهد أكثر على المنافذ الحدودية البرية والجوية، وفي منافذ التهريب على طول الحدود السورية مع دول الجوار والتي تدار من قبل ضباط حرس الحدود والأمن العسكري، إضافة إلى دوريات الجمارك التي كانت تصطاد شاحنات النقل". ويضيف أنه كان هناك مصدر تمويل آخر لضباط النظام، عبر فرض مبلغ مالي معين على المجندين الملزمين بالخدمة العسكرية الذين لديهم مطالب محددة تتعلق بفرزهم على الثكنات والحواجز، أو تتعلق بالإجازات، أو جعلهم يقضون خدمتهم في منازلهم مقابل مبالغ مالية، بحسب قول الشامي. ويشير إلى أن "هذا جانب من الفساد الذي سمح به النظام لتغطية ضعف الرواتب التي يتقاضاها عناصره وكسب ولائهم، في وقت يكون ملف فساده جاهزاً في حال ضعف ولائه أو بدأوا يشكون فيه"، على حد تعبيره.

ثراء غير مشروع
ويستطرد الشامي قائلاً إنه "في الأزمة وبسبب الحرب الذي احتاج بها النظام لأي شخص يدافع عنه، تم إطلاق يد أي شخص يواليه، مما تسبب بجمع ثروات هائلة لم يكونوا يحلمون بها، فعلى مستوى العناصر هناك من جمع عشرات الملايين، ومنهم من امتلك منزلاً وسيارة كانت حلماً بعيد المنال قبل الأزمة"، في إشارة إلى انتشار ظاهرة الثراء غير المشروع. ويضيف: "اليوم من الصعب تقدير حجم الإتاوات والفساد في حواجز النظام، إذ أنها تتوزع على الحواجز المنتشرة في مناطق سيطرته، والحواجز التي تحاصر مناطق المعارضة في دمشق وحمص، أو تلك التي تتم عبرها حركة المدنيين بين مناطقه ومناطق سيطرة المعارضة، وهذه تعتبر ذات مردود مادي أكبر بكثير"، وفق تعبيره. وهناك الكثير من الحواجز بين المحافظات في مناطق سيطرة النظام أصبحت تسمى نسبةً إلى الإتاوات التي تتقاضاها، كحاجز المليون في منطقة سلمية على الطريق الواصل بين حلب ودمشق، إذ لا يقبل الحاجز بأقل من مليون ليرة على كل شاحنة محملة بالبضائع.