النظام السوري تحت ضغوط المانحين: مساعدات مرتبطة بالحل السياسي

01 يوليو 2020
الصورة
فرّ 6.6 ملايين سوري من بلدهم (دليل سليمان/فرانس برس)

جاء الاجتماع الدولي الرابع للمانحين الدوليين، الذي عُقد أمس، الثلاثاء، تحت عنوان "مؤتمر دعم مستقبل سورية والمنطقة"، في ظل ظروف استثنائية يعيشها السوريون الذين وصلوا إلى درجات غير مسبوقة من الفقر والعوز، بعد 9 سنوات من الحرب، وبعد أيام من بدء تطبيق "قانون قيصر الأميركي" في 17 يونيو/ حزيران الماضي، لتزداد التساؤلات حول إمكان أن تؤدي الأوضاع القائمة والعقوبات الأميركية إلى دفع نظام بشار الأسد للقبول بحل سياسي حقيقي، في ظل تشديد دولي على اغتنام الفرصة لدفع أطراف النزاع إلى الانخراط في مفاوضات سياسية. وجاء المؤتمر قبل يوم واحد من مباحثات عبر الفيديو تجمع، اليوم، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيريه التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني، في إطار مسار أستانة حول النزاع السوري.

وتعهد الاتحاد الأوروبي، خلال المؤتمر الذي عُقد أمس عبر الفيديو، بتقديم مساعدات إنسانية بقيمة 2,3 مليار يورو خلال الفترة ما بين 2020- 2021، وفق الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد، جوزيب بوريل، الذي أشار إلى أن الوضع ما زال خطيراً في سورية، داعياً إلى توسيع الهدنة التي توصلت إليها تركيا وروسيا في مارس/ آذار الماضي في إدلب لتشمل كل أنحاء البلاد. وشدد بوريل على ضرورة اغتنام الفرصة من أجل التوصل إلى حل سياسي في سورية، مضيفاً "يجب أن تُجبر جميع الأطراف النظام السوري على الانخراط في المفاوضات وإنهاء القمع السياسي". وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي سيواصل دعم الشعب السوري وطالبي اللجوء في البلدان المجاورة لسورية.

بوريل: يجب أن تُجبر جميع الأطراف النظام السوري على الانخراط في المفاوضات وإنهاء القمع السياسي
 

وفي تسجيل مصور نشره بوريل قبيل الاجتماع، قال إنه يجب ألا تمر الجرائم الجماعية التي ارتكبت في سورية بلا عقاب. وأكد أن استقرار سورية مهم بالنسبة لأوروبا، مبيناً أن الاتحاد سيواصل دعم كل من سورية والدول المجاورة لها التي تستضيف طالبي اللجوء. وشدد على ضرورة "أن نفعل المزيد لتخفيف معاناة الشعب السوري، يجب أن نركز على الحل السياسي".

من جهته، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، في كلمته خلال المؤتمر، أن السبيل الوحيد لإنهاء آلام السوريين هو تحقيق الحل السياسي الدائم في بلادهم. وشدد على أن بلاده تواصل دعم كافة المبادرات والجهود الدولية الرامية لإيجاد حل سياسي دائم للأزمة السورية. ولفت إلى أن دول جوار سورية تتحمل الجزء الأكبر من أعباء اللاجئين، مبيناً أن بلاده تعمل على تلبية كافة احتياجات السوريين المقيمين على أراضيها. ودعا إلى ضرورة الحفاظ على التهدئة الحاصلة في محافظة إدلب، والحرص على استمرارية اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في مارس بين أنقرة وموسكو.

من جهته، استغل رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب كلمته عبر الفيديو ضمن المؤتمر، لتحميل اللاجئين السوريين في لبنان جزئياً المسؤولية عن تفاقم الأزمة الاقتصادية، فيما كان لافتاً تعبيره عما سماه "خشية ازدياد التوتر بين النازحين السوريين والمجتمعات اللبنانية المُضيفة بفِعل الضائقة الاقتصادية". وتوقف عند ما قال إنه "اكتظاظ المدارس الرسمية بالتلاميذ، حيث بلغ عدد التلاميذ السوريين قرابة نصف عدد التلامذة اللبنانيين، فيما الحاجة ملحّة إلى إعادة تأهيل العديد من المدارس وصيانتها". وتجاهل دياب حقيقة أن الدولة اللبنانية لا تتحمل نفقات تعليم اللاجئين السوريين في لبنان، بل يتولى المانحون الدوليون هذه المهمة. وعلى المنوال نفسه، أشار دياب إلى أنه "نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة، يلجأ المزيد من اللبنانيين، على غرار النازحين السوريين، إلى خدمات الصحة العامة، وهو ما يوسّع الفجوة الماليّة في القطاع الصحي". كذلك تطرق دياب في معرض حديثه عن "عواقب النزوح السوري"، إلى "زيادة كبيرة في الطلب على مواد مثل الطحين والخبز والكهرباء والمحروقات، المدعومة من الدولة".

من جهة ثانية، دعا دياب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الصديقة إلى تحييد لبنان عن التداعيات السلبية الناجمة عن أي عقوبات تفرض على السوريين، ولا سيما بسبب "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، وضمان عدم تأثير هذه التداعيات على التجارة والاقتصاد مع الخارج وتعريض جهودنا المتواصلة للخروج من الأزمة، مؤكداً حرص حكومة لبنان على النازحين السوريين وتضامنها معهم.

وطالبت الأمم المتحدة خلال المؤتمر الحكومات المانحة بتقديم مساعدات بنحو عشرة مليارات دولار لسورية. وشاركت في الاجتماع حوالي 60 حكومة ووكالة غير حكومية عبر الفيديو في حدث استضافه الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية غير بيدرسن "يعاني رجال ونساء وأطفال سوريون من الإصابات والتشريد والدمار والرعب... على نطاق واسع". وأضاف "لا يزال خطر وباء كورونا شديداً". وقالت الأمم المتحدة إنها تحتاج هذا العام لجمع 3.8 مليارات دولار للمساعدات داخل سورية، حيث يحتاج قرابة 11 مليون شخص إلى المساعدة والحماية، بينهم أكثر من 9.3 ملايين لا يجدون الغذاء الكافي. وطلبت المنظمة جمع 6.04 مليارات دولار أخرى لمساعدة 6.6 ملايين سوري فروا من بلادهم.

وكان برنامج الأغذية العالمي قد أشار في تقرير قبل أيام، إلى أن التراجع الاقتصادي وإجراءات العزل العام للحد من انتشار فيروس كورونا دفعت أسعار الغذاء للارتفاع بنسبة تفوق 200 في المئة خلال أقل من عام. وحسب التقرير، فإن السوريين يواجهون أزمة جوع لم يسبق لها مثيل، إذ يفتقد أكثر من 9.3 ملايين شخص ما يكفي من الغذاء، مقارنة بـ7.9 ملايين قبل ستة أشهر، ما يعني أن عدد الأشخاص الذين يفتقرون إلى المواد الغذائية الأساسية ارتفع بواقع 1.4 مليون في غضون الأشهر الستة الماضية، وهو ما يجعل نحو 90 في المئة من سكان سورية تحت خط الفقر البالغ دولارين في اليوم.

ومن المؤشرات إلى هذا التدهور أيضاً، ما ورد على لسان مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، الذي قال إنه مع استمرار الصراع في سورية لعشرة أعوام تقريباً، بات هناك جيل كامل من الأطفال لم يعرف سوى المصاعب والدمار والحرمان، مشيراً إلى أن قرابة 2.5 مليون طفل سوري هم اليوم خارج المدرسة.

ويأتي ذلك وسط مخاوف من زيادة كبيرة في تفشي فيروس كورونا في البلاد، وترافق ذلك مع تدهور في الوضع الاقتصادي وقيمة العملة المحلية، لأسباب عدة. كما أن إغلاق المعابر الحدودية مع تركيا نتيجة وباء كورونا كان له تأثير سلبي كبير ليس على المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام في شمالي البلاد وحسب، بل على مجمل مناطق سورية، إذ كانت تتسرب العملة الصعبة إلى مناطق سيطرة النظام من خلال معابر التبادل بين المنطقتين والتي أغلقت بدورها في إطار محاربة كورونا، وهو ما فاقم الوضع أكثر.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تقول إن "قانون قيصر" يستهدف نظام بشار الأسد وداعميه، ولا يشمل المساعدات الإنسانية، أو المعدات الطبية، لكن النظام السوري يحاول استغلاله لتبرير كل الأزمات التي تراكمت خلال سنوات من الحرب والفساد في الإدارة، فضلاً عن الأزمات التي يعانيها داعمو النظام، لا سيما إيران وروسيا، نتيجة العقوبات الأميركية وكورونا، وهو ما أدى إلى تراجع دعمهم المادي للنظام. وخلال إفادة لها في جلسة لمجلس الأمن الدولي حول سورية، اعتبرت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة كيلي كرافت أن مزاعم النظام مجرد دعاية تهدف إلى صرف الانتباه عن "أهوال نظام الأسد وسوء إدارته". وطالبت كرافت مجلس الأمن بتجديد قراره رقم 2504، المتعلق بإيصال المساعدات العابرة للحدود إلى سورية، والذي سينتهي العمل به مطلع يوليو/ تموز الحالي، مشددة على ضرورة إعادة فتح معبر اليعربية الحدودي مع العراق لضمان وصول المساعدات الإنسانية، إذ عارضت كل من روسيا والصين هذه الآلية، بهدف حصر دخول المساعدات عبر المعابر التي يسيطر عليها النظام.

يحاول النظام استغلال "قانون قيصر" لتبرير كل الأزمات التي تراكمت خلال سنوات
 

ورأى المحلل السياسي شادي عبد الله، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "العقوبات الواردة في قانون قيصر لا تسقط نظام الأسد، لكنها تدفعه إلى حافة السقوط، وتحتاج إلى تحركات أخرى سياسية وربما عسكرية، لكي تكون مؤثرة في إجبار النظام على تعديل سلوكه والقبول بحل سياسي انتقالي حقيقي، أو سقوط النظام برمته، وهروب رأس النظام والحاشية خارج البلاد".

ولفت عبد الله إلى أن "قانون قيصر يحرم بالفعل النظام من قدر كبير من الدعم الذي يقدّمه له حلفاؤه الروس والإيرانيون وغيرهم، وسوف يفقد جزءاً من الموارد التي تتيح له مواصلة خيار الحرب ورفض الحلول السياسية، ما يعني أن القانون قد يدفع في نهاية المطاف النظام إلى الجنوح للحل السياسي". وأشار إلى أن واشنطن تردد دوماً أنها لا تستهدف إسقاط نظام الأسد، بل حثه على تعديل سلوكه والقبول بالحل السياسي، لكن النظام يدرك، بحسب عبد الله، أن انخراطه في أي حل سياسي حقيقي يعني رحيله في نهاية المطاف، لذلك سوف يظل يقاوم هذه الحلول على أمل أن يواصل حلفاؤه الروس والايرانيون مده بأسباب البقاء، وهو امر مرهق لهم، ومن المستبعد أن يطول، حسب قوله.