النضال البيئي

13 أكتوبر 2019
الصورة
البيئة الطبيعية وكذلك الاجتماعية متضررتان (أشرف شاذلي/ فرانس برس)
+ الخط -

لم يكد يمضي يوم واحد على تناولنا شركات الموت في عدد من مواقع التعدين السودانية وتظاهرات المواطنين السلمية المطالبة بتنفيذ قرارات السلطات القاضية بوقف نشاط تلك الشركات، حتى عمد أبناء جبال النوبة في شمال السودان - عندما لم يجدوا آذاناً صاغية لهم - إلى الهجوم على مقار عدد من تلك الشركات وحرقوا آلياتها ومعاملها ومخازنها. وقد وصل الأمر إلى حدّ وقوع ضحايا بين المواطنين وبين قوات الأمن الخاصة بحراسة المقار.

بغضّ النظر عن الحديث حول الملابسات السياسية للحادثة، وملكيّة تلك الشركات التي تعود إلى بعض من رموز النظام السابق، واتهام جهات معيّنة بالتصعيد المُنافي لطبيعة الحراك السلمي الذي بدأ يُسجَّل في البلاد في سبتمبر/ أيلول 2013 وتواصل حتى تُوّج أخيراً بانتصار إرادة الشعب، فإنّ ما حدث في جنوب كردفان (شمال) يأتي في إطار مفهوم النضال البيئي أو كفاح الناس لنيل القوة السياسية ومناهضة الاستغلال الاقتصادي، ومن أهدافه، بحسب الرئيس الأوّل لجمهورية أنغولا المستقلة أغوستينو نيتو (1922 ـ 1979)، "استعادة الحياة الثقافية، ووضع نهاية للتغريب، وبناء العلاقات على أساس المساواة".

في آخر زيارة لي إلى ولايتَي غرب كردفان وجنوب كردفان، لم تكن قضيّة التعدين قد اتّخذت البُعد التصاعدي الأخير، مثلها مثل الحرب واغتيال الطبيعة المتمثّل في القطع الجائر والمتكاثر للغابات، مع تمدّد آثار استخراج النفط لتطاول البيئة الطبيعية وكذلك الاجتماعية. وفي قرية صغيرة بدت أنّها فقدت جلّ ملامحها من جرّاء التحولات البيئية والديموغرافية، جلست مع امرأة من هؤلاء اللواتي امتهنَّ بيع منتجات الغابات (غير الخشبية) لسدّ الرمق. فأكّدت أنّهنّ مجبرات على دخول الغابات لجمع الثمار وبيعها، على الرغم ممّا يتعرّضنَ له من مخاطر تتجدّد معها في كل ساعة رغبة العودة إلى الديار وإلى حياتهنّ السابقة.

ما يفعله المنشار بالغابات هناك يكمل ما تفعله الأسلحة بالأجساد. وها هي "ثالثة الأثافي" تزيد من معاناة الناس والأرض والبيئة. فمخلّفات التنقيب عن النفط والمواد السامة المستخدمة في تعدين الذهب تبقى على مدى عشرات السنوات في البيئة، بحسب ما يؤكد الخبراء، حتى بعد زوال الشركات، فيما يعمّ السلام بمجرّد توقّف الحرب. وقد تستعيد الغابات عافيتها بعد سنوات قليلة.




الشاحنات الضخمة المحمّلة بآلاف الأطنان من الأخشاب تؤكّد حجم التعدّي على الغابات، لكنّك قد تحتاج إلى من يخبرك عن مقدار ما تسرّب إلى باطن الأرض من حمض سيانيد ومن الزئبق، وعن مدى التدهور الذي حاق بالتنوّع الحيوي. وفي الأمر تأكيد أنّ ما يمارسه المركز من استئثار بالاستثمار على حساب إنسان الأطراف وبيئته، ينحو في اتجاه تعميق عدم المساواة التي يقول رافائيل كابلنسكي، الأستاذ المحاضر في الجامعة المفتوحة بالمملكة المتحدة، إنّنا لن نبلغها أبداً، لكنّنا "إذا لم نهدف إليها فسوف نجد أنّ مجتمعنا ينحو أكثر فأكثر في اتجاه عدم المساواة".

*متخصص في شؤون البيئة

دلالات

المساهمون